وعلى ذويه، فسألته: ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ فأجابك باطمئنان: أبقيت الله ورسوله، وأويتما إلى (غار ثور) في ضمير الليل. وقفا القوم آثاركما عند مبرق النهار، وكادوا يصلون إليكما، ويقتحمون الغار عليكما، حتى خاف عليك صاحبك الوفي فقال: لو قتلت فإنما أنا فرد من الأمة وإن قتلت أنت هلكت الأمة كلها يا رسول الله. ثم قال في جزع شديد: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا. . . فهمست في أذنه همستك الخالدة التي فيها رمز الشجاعة الحق: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا. فانزل الله سكينته عليك، وأيدك بجنود لا تراها أعين الناس، وصرف القوم عن الغار، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى؛ فارتدوا خائبين.
أما أنت يا رسول الله فوصلت إلى المدينة وصول الفاتحين، وجعلت فيها المهاجرين والأنصار إخوانًا، والأوس والخزرج أعوانًا، وجعلت تشريع السماء حكمًا بين الناس، وجعلت هؤلاء الناس الذين آمنوا بك كالملائكة الأبرار، بل أصبحوا بهديك رهبانًا بالليل وفرسانًا بالنهار!
يومئذ حملت القرآن في يمناك تهدي به المتقين، والحسام في يسراك تدفع به كيد البغاة وعدوان الظالمين، فقضيت على الفتن الحمر، وهدأت العواصف الهوج، وجعلت الدين لله، والعبادة للرازق ذي القوة المتين.
وبدلت العرب من بعد خوفهم أمنًا، ومن بعد خصامهم حبًا، ومن بعد يأسهم أملًا، ومن بعد قسوتهم حنانًا، ومن بعد فوضاهم نظامًا، ومن بعد جهلهم علمًا. . .
ولقد كان ربك - يا إمام الأنبياء - قديرًا على نصرتك وعصمتك من أذى الناس؛ لكنه أراد أن يذيقك حلاوة النصر بعد مرارة الصبر والمصابرة والكفاح والنضال، حتى يفتح أعين الذين آمنوا على سنته في خلقه، فلا يغتروا بانتسابهم إلى الإسلام من غير جهاد، أو يستسلموا إلى الوهن وهم يحسبون أنهم على ربهم يتوكلون.
وهذه السنن الاجتماعية التي تعلمها المسلمون الأولون من ملحمة هجرتك جعلت منهم أبطالًا يرون الموت في سبيل الله هو الحياة الخالدة، ويرون الحياة إذا غشيها الذل موتًا أبديًا، فحملوا أرواحهم على أكفهم، واشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون.