وقال قتادة: هو بمعنى أمام، ومثله: (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ) ، وهو محتمل، لأنّه من المواراة، قال الشاعر:
أَتَرْجُو بَنُو مَرَوانَ سَمْعي وَطَاعَتي ... وَقَومي تميمٌ والفلاةُ وَرَائيا
أي أمامي.
قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي)
قال أصحاب المعاني المعنى: قل لو كان البحر مدادًا لكتابة معاني كلمات ربي لنفد البحر قبل أنّ تنفد كتابة معاني كلمات ربي، فحذف لأنَّ المعنى مفهوم. والنفاد: الفراغ.
ومما يسأل عنه أن يقال: الكلمات لأقل العدد، وأقل العدد العشرة فما دونها، فكيف جاء هاهنا أقل العدد؟
والجواب: أنّ العرب تستغني بالجمع القليل عن الكثير، وبالكثير عن القليل، قال الله تعالى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) ، وغرف الجنة أكثر من أن تحصى، وقال: (هُمْ دَرَجَاتٌ) ، وقال حسان:
لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَّ بالضُّحَى ... وَأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دَمَا
وكان أبو علي الفارسي ينكر الحكاية التي تروى عن النابغة، وأنه قال له: قلَّلت جفناتكم وأسيافكم. فقال: لا يمح هذا عن النابغة.