وحكي عن ابراهيم صلوات الله عليه أنه قال لأبيه: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} وأنه لما تبين له أنه عدو لله، كان يستغفر له ويقول: لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء تصديقًا منه بوعده الذي كان وعده بربه بذلك، إن هذا القضاء ما يقدر عليه له، وللإجابة بيد الله تعالى.
فإن لم تكن في حكمته أن يجيب، فليس علي من ذلك شيء.
فثبت بهذا أن الاستغفار للوالدين من أعظم ما يقضي به حقوقهما، وكل دعاء يدعو به المرء لنفسه مما يريد به صلاح دين أو دنيا، فهو نظر للاستغفار والله أعلم.
ومن جملة حقوق الوالد أن لا يرغب الولد عنه وينتسب إلى غيره.
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم» وفي رواية أخرى: «من رغب عن أبيه فقد كفر» .
ومعنى هذا أنه فعل ما كان أهل الجاهلية يترجعوا فيه لكفرهم.
فإذا قد جاء الإسلام ووقع الحكم بأن لا ينقل النسب ولا يحول، فليس لأحد أن يرغب عن أبيه الذي ولده، فإنه وإن انتسب إلى غيره لم يضر ذلك الأجنبي أبًا بانتسابه إليه.
ولا ينفك الذي ولده أن يكون أباه وإن لم ينتسب إليه، ولا تحصل من ذلك إلا على جفاء الأب وبخسه حقه وإبخاسه من نفسه، وذلك من أعظم الحقوق، والعقوق من الكبائر.
ومن حق الوالد، قيل: أن رجلًا قام إلى ابن عمر رضي الله عنهما فسأله، فألقى إليه عمامته، فقال: بعض القوم لو أعطيته درهمًا لأجزاه، فقال ابن عمر، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود وأبيه» .
وأن هذا كان من أهل ود عمر.
وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آذى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض» .
وفي حديث «لعن الله من عق والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «إياكم وعقوق الوالدين، فإنه ما تنسم ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم» .
وفي بر الوالدين قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم: من أبر؟ قال: «أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب» وقال ابن مسعود رضي الله عنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لميقاتها.
قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين.
قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله».
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد» .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «ألا أحدثكم بأكبر الكبائر: قال: بلى يا رسول الله.
قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين».
وروى أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقال يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: «هل لك من أم؟ قال: لا.
قال: هل من خالة؟ قال: نعم! قال: فبرها».
وقال النبي: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» .