فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 1140

فإن قيل: فمن أين لكم أنها سنة مستحبة: قيل له: من أنه سماه نسكًا، وأدنى أحوال النسك أن يكون مستحبًا.

فإن احتج محتج لا يجاب هذا النسك بها.

روي أن عمر بن شعيب رضي الله عنه كان يحدث عن أبيه عن جده، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن العقيقة فقال: «لا أحب العقوق» كأنه كره الإسم.

قالوا: يا رسول الله أنا نسألك عن أحدنا بولده.

قال: «من أحب أن ينسك من ولده فليفعل على الغلام شاتان متكافأتان وعن الجارية شاة» وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «الغلام مرتهن بعقيقته، فأهريقوا عنه الدم، وأميطوا عنه الأذى» .

قيل له: قد روينا من الحديث ما أبان أن هذا النسك سنة ورواية من روى «على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة» غلط منه.

وإنما المشهور عن الغلام وعن الجارية.

والعلماء على خلاف تلك الرواية مجتمعون بأن ظاهرها دم العقيقة على المولود، وليس أحد من العلماء يقول كذلك وإنما يرى من يقول بالوجوب أنه على المولود، وليس ذلك في الحديث.

وإن ارتكب مرتكب وزعم أنه على المولود ولزم أباه أن يتحمل عنه من يقبل ذلك منه، لأن الأغلب الذي لا يكاد يوجد غيره، إن كل مولود فإنما يولد عازبًا عن الملك، لا يجوز أن يكون تخلصه من بطن أمه سببًا لوجوب مال عليه، وهو لا مال له.

وأما قوله «كل غلام مرتهن بعقيقته» فلا دليل فيه على أن الوجوب كان.

معنى ذلك، أنه لا ينبغي أن يخلق ما لم يذبح عنه.

والخلق ليس بفرض.

حتى إذا كان وقته بعد الذبح لزم أن يذبح عنه لأجله وأما أنه مرتهن في قبره، فقد فسرنا معناه أنه محبوس عن أبيه أن لا يمكن من الشفاعة له.

وهذا أيضًا لا يدل على الوجوب، لأن أباه إذا كان لا يخشى من ترك الذبح عنه أكثر من أن تفوته شفاعة نبيه صلوات الله عليه.

وإن فاتته شفاعة ولده، فثبت بذلك أن لا دلالة في هذا الحديث على الوجوب.

وأما من ذهب إلى أن العقيقة جائزة وليست بسنة يندب الناس إليها، فهي الحجة عليهم سوى الأخبار التي تقدمت روايتها.

وهو أن الذبح عن المولود فطر له قربة إلى اللهعز وجل، فهو كالتضحية التي تكون من المضحي نظرًا لنفسه وقربه إلى الله عز وجل.

وكلام جمعت إراقته نظرًا للمراق عنه وقربه إلى الله عز وجل، فإن إراقته سنة كالهدي والأضحية والله أعلم.

واحتج محتج بما زعم أنه يروى عن فاطمة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - «أعق عن الحسن والحسين.

فقال: لا، ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره».

وما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «تستحب الزكاة كل صدقة في القرآن.

ونسخ صوم رمضان كل صيام.

ونسخ غسل الجنابة كل غسل.

ونسخ الأضحى كل ذبح».

قال: فدل هذا الحديث على أن النسك بدم العقيقة منسوخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت