فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 1140

فالجواب: انا قد روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه عق عن الحسن والحسين، فقد يحتمل أن فاطمة رضي الله عنها ظنت أن ذبح النبي - صلى الله عليه وسلّم - عن ولدها كان زيادة فضل لا تسقط بها سنة العقيقة التي تخاطب الوالدين بها، فقالت: أأعق؟ فقال: لا.

لأن ذبحه قد ناب مناب ذبحها وزاد.

وقد يجوز أن تكون سألت عن ذلك قبل أن يعق النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فقال: لا.

لأنه كان في نفسه أن يعق عنه من عنده.

ويكون معنى قوله «احلقي رأسه، وتصدقي» إن الذبح مني، والحلق والصدقة منك.

وإذا احتمل الحديث ذلك لم يجز ترك سنة مستفيضة بمثله.

وفيه جواب آخر يذكر بعد هذا إن شاء الله.

وأما رواية من روى أن الأضحية نسخت كل ذبح، فإن معناه ـ إن ثبت ـ أنها نسخت كل ذبح كان في مثل معناها.

وليس دم العقيقة بمنزلتها، لأن الأضحية قربة يفديها المضحي عن نفسه، ولها وقت معلوم لا يجوز في غيره.

وأما دم العقيقة، فإن المولود له، يريقه عن الولد لا عن نفسه موفيه السابع من الولادة مما بعده.

وإذا لم تكن الأضحية بقصدها، وما يراد بها آيبة على دم العقيقة بعد أن نسخته، فالسنة أن تكون ما نسخته الأضحية هو الفرع والغيرة.

فقد كان الأمر بهما واقعًا في أول الإسلام ثم نسخا.

والعقيقة بتا من الأضحية في قصدها، فهي من النسخ بمعزل.

روي عن جحيف بن سليم رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «على أهل كل بيت من المسلمين أضحية وعتيرة.

تدرون ما العتيرة التي تقولون: الرجبية».

ثم نسخ هذا الحديث بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لا فرعة ولا عتيرة» .

فلئن كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «نسخت الأضحية كل ذبح» فإنما أراد هذين، دون العقيقة.

وقال بعض العلماء: إنما ينسخ الشيء بما يتأخر عنه لا ما يتقدمه.

والتضحية أمر متقادم كان في أول عهد ابراهيم صلوات الله عليه، وجرى المسلمون عليه في أول الإسلام، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عشر سنين لا ينزل إلا ضحى.

فأما العقيقة فإنما أمر بها بعد قدومه المدينة بسنين.

وعق عن الحسن والحسين أيضًا بعد تقدمه المدينة بسنين، ثم عمل كبار الصحابة، وتوارثه علماء المدينة بسنين.

وقال سعيد بن المسيب: كانت العقيقة في سلف هذه الأمة، كانوا يعقون عن المنفوس يوم سابعه.

وأفتى بذلك القاسم بن محمد، وعرفة، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزناد، والزهري.

فكيف يجوز أن يقال: إن المتقدم ينسخ المتأخر.

وهذا كما قال، وفيه بيان أن الدم الذي نسخ للأضحى ليس إلا الفرع والعتيرة، لأنهما كانا جاهلين متقادمين.

وكان الناس يجرون بعد الإسلام فيهما على عادتهم.

فلا يبعد أن ينسخا بالأضحية.

والعقيقة إنما سنت بعد موت حكم الأضحية، فلا يمكن أن تكون الأضحية نسختها والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت