فإن قال قائل: ما أنكرتم أن طعام الختان مكروه، واحتج بأن عثمان بن أبي العاص دعا إلى ختان، فأبى أن يجيب، وقال: كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - لا نأتي الختان ولا ندعى له.
قيل: في هذا الحديث أنه دعى إلى الختان، وليس فيه أنه دعي إلى الوليمة، فكأن القوم أرادوا أن يشهدوا الختان أن يدعوا إليه أمام الناس، فقال: لم يكن هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -.
فإن قيل: روى من وجه آخر أنه دعي إلى وليمة، فقيل له: أتدري ما هذا؟ هذا ختان.
فأبى أن يأكل قبل الحديث الذي ذكرت فيه الولية.
قيل فيه: أنهم قالوا هذا ختان جارية، فقال: إن هذا ليس ما رأيناه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -.
فيحتمل أنه كره خفض الجارية بالإيلام عليه ولزوجه.
وأما ما يكون بعد انقضاء الظفر له من التعليم والدراسة والتأديب، فإن الله - عز وجل - قال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} فدخل الأولاد في قوله {أَنْفُسَكُمْ} لأن ولد الرجل بعض منه، كما دخلوا في قوله عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} .
فلم يفردوا بالذكر افراد سائر القرابات.
ومن وقاية الوالد ولده النار، أن يعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي والآثام، ويقوم عليه أحسن القيام ولا يكله إلى نفسه.
روي أنه قيل: يا رسول الله، كيف نقي أهلينا؟ قال: «مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصية الله» .
وهذا كلام جامع ينتظم عامة ما يحتاج إليه من هذا الباب.
فأما تأديب الرجل ولده وتعليمه إياه، فقد جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ما تحل والد ولده أفضل من أدب حسن» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ثلاث من حق الولد على الوالد: أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، يسأل الرجل منكم عن زوجته وعن ولده وعن خادمه وعمن استرعى» ، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وليكن بثلاثة أحجار» .
ونهى عن الروث والروثة.
فلولا أن من حق الوالد أن يعلم ولده من أمر دينه ما يجهله، لما ضرب لنفسه المثل بالوالد عندما أراده ومن التعليم.