وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «مروهم بالصلاة ابن سبع، واضربوهم عليها ابن عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» .
وإنما أراد بذلك أن لا يفتن بعضهم ببعض.
فترسخ تلك الفتنة في قلوبهم فتصير ذريعة إلى أمثالها وأخواتها.
وأيضًا فإن على الوالد أن يمون ولده ما كان محتاجًا إلى مؤونته، لأنه لا يحيى إلا بها، فأولى أن يحمل كلفة تعليمه برثاء ذنبه، إذ كان لا ينتفع بجفائه إلا أن يكون سالمًا متأدبًا، وما يخشى من ضرر إهماله إعظم مما يخشى من ضرر حبس النفقة عنه، لأن أكثر ما في حبس النفقة عليه أن يموت، وضرر الإهمال أفظع منه، لأنه يخشى عليه أن يورده الجهل غمرات لا يخرج منها إلا إلى النار.
فإذا ألزمه دفع أقل الضررين عنه، كان دفع أعظمها له ألزم.
وأيضًا فإن الوالد اكتسب الولد بإجباره وهو نسمة مثله.
فما لزمه من فرض في نفسه لزمه مثله في ولده.
ولهذا إلزامه أن ينفق عليه كما ينفق على نفسه.
وكذلك تعليمه ما لزمه أن يتعلم، ومنعه ما لزمه أن يمنع عنه نفسه ويروضه بما ينبغي أن يروض به نفسه ويرشده إلى الكسب.
وتدبير المعاش، كما سيرشد غيره من ذلك إلى ما يجهله ليتوصل به إلى السعي على نفسه إذا بلغ، وإن رزقه الله - تعالى جده - إلا علمه وجه الأمر في إصلاحه، والقيام عليه ولم يفسده.
ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .
ولو لم يكن على ولي اليتيم أن يعلمه قبل البلوغ تدبير المال بلسانه، وإحضاره المعاملات وإطلاعه عليها لما قدر على ابتلائه إذا بلغ.
وروي عن ابن رافع رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، للولد على الوالد حق كحقنا عليهم.
قال: «نعم، حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي وأن يؤدبه صبيًا» .
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «رحم الله والدًا أعان ولده على بره» يحتمل أن يكون المعنى أن يعلمه ويهديه.
فأول ذلك أن يحفظه إذا صار ممن يطعم ويشرب حتى لا يتناول إلا ما يعطى من الحلال ويجنبه الحرام أصلًا.
فلا يصيبه ولا يتعهده إذا قدر على الكلام، ولا يتعلم الحياء والبذاء والفحش ولا يعودها لسانه.
ويعلم الصبية الهرب من الرجال الأجانب، ويمنعها عن الدنو منهم ومكالمتهم، ويحجرها عن الإختلاط بالكوافر ومحادثتهن، وإظهار زينتها لهن.
ويمنع الذكر والأنثى من ولده من مخالطة أهل الفساد من الرجال والنساء ومن يتحدث عندهم بأحاديث أهل اللهو والباطل، ويشدهم الغزل والخمريات والأشعار المحدثة التي ما يقصدها إلا التطريب وإفساد القلوب، ومن يرفقهم على الملاعب والملاهي، ويجعل بينهم وبين هذه الطبقات ردمًا، فلا يحدثوا لهم بشيء من هذه الخطيئات علمًا.
ومن بلغ منهم حد التعليم علمه القرآن ومن السنن والأحكام ولسان العرب ما لا يستغنى عنه.