فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1140

وقيل: إن المعنى ـ أن كل مولود يولد خاليًا من كل دين لكنه لا يترك كذلك بل يتبع أبويه، فيكونان ألبساه دين أنفسهما وأدخلاه فيه.

فمن ذهب إلى الوجه الأول احتج بحجج، أحدها: قول الله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} .

قال فقد أخبر - عز وجل - أنه فطر الناس كلهم على الدين فثبت أن معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة» هو أنه يولد على الحق حتى يكون أبواه هما اللذان يرفعانه عنه، ويمثلان به إلى الباطل.

ودل على صحة هذا أنه لم يقل: حتى يكون أبواه يسلمانه، كما قال يهودانه وينصرانه.

فلو كان معنى يولد على الفطرة فيولد خاليًا من كل دين، ومعنى يهودانه أن يجعل تابعًا لأبويه في الدين إذ لم يكن له في نفسه دين لذكر الإسلام كما ذكرت أصناف الكفر.

ولما لم يذكر، بان أن معنى الفطرة الدين الأول الذي شرع لأول فطور من البشر.

والحجة الثانية: إن الله - عز وجل - قال في كتابه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} .

ووردت الأخبار بأن الله - عز وجل - لما خلق آدم صلوات الله عليه أخرج كل من علم أنه كائن من صلبه أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق ما لم يحدث خلافه.

فإن قيل: قال الناس لا يذكر أحد منهم أنه أعطى من نفسه هذا الميثاق لا حقيقة ولا ظنًا، ولئن كان هذا مما أخذ عليهم فهم في هذه الدار أخذ عهدان منهم في الدار الآخرة، فكيف لا يذكرونه في أقرب الأوقات من وقت هذه الكائنة، ويذكرونه في أبعدها؟

قيل: إن هذا الميثاق لما أخذ عليهم مخرجين من صلب آدم، لا شك أنه أخذ وقد ركب فيهم الحركة والنطق والعقل، فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما كانوا، فردوا به من هذه المعاني فزال العلم الذي كان متعلقًا بها، ولما عادوا يخرجون من صلبه واحدًا بعد واحد على سبيل التوالد، أنسوا ذلك الميثاق لأن الدار كانت دار ابتلاء وامتحان وتعبد، فلو ذكر كل واحد ما كان فيه فيها خلال حقه وصدقه يجري الإيمان مجرى الضرورات، وارتفعت المحنة واقتضت الحكمة انساءهم إياه، وابتداءهم بالخطاب والتكليف مقرونين بإرسال الرسل وتأييدهم بالأعلام بعد تركيب العقل فيهم وتمكينهم من التمييز بين الحق والباطل ليكون منهم ما يكون، حتى إذا كان يوم القيامة ذكروا من ذلك ما كانوا نسوه، للإحجاج به عليهم مع ما أمدوا به على ألسنة الرسل من التنبيه والوعظ والوعد والوعيد وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت