فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1140

والحجة الثانية: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «يقول الله - عز وجل - خلقت عبادي حنفاء فأحالتهم الشياطين عن دينهم» .

وهذا يدل على أن أصل الناس في دينهم الإيمان وأنهم في ذلك بمنزلة الماء والثوب والأرض التي أصلها الطهارة ما لم يرد عليها راد ينجسها.

ومن قال بالقول الآخر دفع هذه المقالة، فإن الدين كسب لا حيلة، لأن الله تبارك وتعالى يثيب ما حسن منه ويعاقب على ما قبح منه، ويأمر بالحسن وينهى عن القبيح، وما كان بابه باب الحيلة، فإنه لا ثواب ولا عقاب لأحد عليه، فإن الله تعالى لا يثيب البصير على بصره ولا يعاقب الأعمى على عماه، وكذلك كل من جرى مجراه.

وهو يثيب المسلم بإسلامه، ويعاقب المبطلين على باطلهم، فثبت بذلك: إن الدين من باب الإكتساب لا من باب الجبلة والبنية، وإذا كان كذلك، والمولود بين الكافرين لم يكسب دين الحق ولم يكسبه له أبواه فأنى كان مسلمًا!

وأيضًا فإن الله - عز وجل - لو خلقه مسلمًا، لم يرع اتباعه الأبوين الكافرين في كفرهما لوجهين:

أحدهما: لأنه ليس من دينه أن يقبل من أحد كفرًا بعد الإيمان.

والآخر: أن كل من اتبع غيره في شيء فإنما يتبع فيما لا يكون له بنفسه، فيكون محتاجًا، فلو كان له بنفسه دين لم يتبع في الدين أبويه.

فأما قول الله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} فطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام، لكن ما يتوصل به إلى الإسلام هو الحق من دلالة العقل، وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها، فإن ذهب عنها ذاهب كانت هي بحالها حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم، وبالله التوفيق.

وأما النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما لم يقل حتى يكون أبواه يسلمانه، دل على أن المراد بالفطرة الإسلام، فلا دلالة له فيه لأنه إنما أراد أن يبين أن فساد الدين ضرر يلحق الأولاد من قبل آبائهم وأمهاتهم.

فذكر الأديان الفاسدة، ولم يذكر الدين الصحيح ولأن بنوته للولد بأبويه نفع وصلاح له وتأس من الضرر، فإنما سكت عنه لهذا: لا لأن ثبوت الدين الحق له من قبل الخلقة ـ فإنا قد بينا أن الدين لا يجري مجرى الخلق ـ ولكنه من باب الاكتساب.

وفي ذلك ما يمنع أن يكون المراد بالفطرة الدين.

وأما قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم من آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقًا، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم على أنفسهم، لأنه لو خاطبهم وأمرهم، ونهاهم عن غير أن يعطيهم عقلًا يدركون به مراده لم يكن عليهم سؤال ولا عيب، وإذا أعطاهم آلة التمييز والمعرفة نوجه عليهم العيب والسؤال، ولم يكن لهم أن يقولوا كنا عما يلزمنا غافلين، ولا نوجه لاختلافهم أن يجبلوا على إسلامهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت