فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 1140

فالميثاق إذًا هو العقل لا غيره، وتبين فساد تعلق من خالف هذا بالآية أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، وإنما قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فظاهر ذلك أنه أراد توكيد بعضهم من بعض على ممر الأزمان، وبإشهادهم على أنفسهم، أعطاهم عقلًا يدلهم على صانعهم ووحدانيته وقدسه والله أعلم.

وأيضًا فإنه إن كان أخرج من صلب آدم صلوات الله عليه جميع ذريته وسألهم عن نفسه، فاعترفوا بأنه ربهم، ولا شك في أنه ركب فيهم الخبرة والعقل والنطق وسألهم، لأن ما لا يدري مالا يقال له فلا معنى لسؤاله، وإن كان فعل ذلك بهم فلا يخلو من أن يكون قولهم «بلى شهدنا» اضطرارًا واستدلالًا، فما بالهم لم تتفرق بهم السبل، ولم تضطرب آراؤهم، وكان كأمثال الذر وحبوبهم ومعارفهم، وقواهم بحسب أبدانهم أن تكون على الإصابة بعد ما أكمل خلقهم، وأغرزت عقولهم وقويت معاني الخير فيهم أقدر وله أخلق.

وإن كان ذلك وقع منهم اضطرابًا فلهم من الحجة يوم القيامة أن يقولوا: لا نكث لعهد منا ولا نقص لميثاق، لأنا شهدنا اضطرارًا، فلما زال علم الضرورة عنا، وكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب ومنا من أخطأ.

كما كان ذلك يكون المجلون وآراؤهم في كل شيء.

وهكذا إن قال قائل: كان إقرارهم عن استدلالهم ولكنهم عصموا عنده من الخطأ ووفقوا للإصابة.

قيل لهم: فلهم إذا كان يوم القيمة أن يقولوا: أيدنا يوم شهدنا على أنفسنا بتوفيق وعصمة حرمناها من بعد، ولو أمددنا بها أبدًا لكانت شهادتنا في كل وقت وحال كشهادتنا في أول الأمر، ولم يختلف.

فقد بان المقصود الذي يدعيه أهل هذا القول، ولا يحصل بالأهل الذي يصفونه، وأيضًا فإن الله تعالى يقول: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .

فلو كان الناس قد أخذ عليهم بالإيمان ميثاق كما يقولونه ـ الذي جلينا قولهم ـ لما كانت لهم على الله حجة وإن لم يرسل إليهم الرسل، وقد أخبر الله عز وجل: أنها كانت تكون، فثبت أن أخذ الميثاق عليهم من الوجه الذي يقولونه، لم يكن، والله أعلم.

فلو قيل: لو امتنع أن يكون المراد بالآية: أعطاهم العقول، لنفس هذه الآية أيضًا، قيل: ولا سواء، لأن ما وضع في العقل من المعارف فهو مختلف: فمنه ما ليس فيه إلا وجه واحد، ومنه ما له وجهان أو أكثر، ومنه ما يدرك البديهة، وفيه ما يدرك بالاستدلال والناس في العقول وسائر القوى مختلفون: فمنهم التام عقله، الساكن نفسه، الجيد طبعه، ومنهم: الناقص عقله، المضطرب نفسه، الركيك طبعه.

ومنهم: ذو الشغل الواحد، فهمه مقصور عليه.

وفيهم ذو الأشغال الكثيرة، فهمه متوزع بينها، منقسم عليها.

مختلف استدل المستدلين بحسب اختلاف أحوالهم، فيكمل من واحد وينقص من آخر، ويضعف رأي واحد، ويقوى رأي آخر.

فاحتاجوا لذلك إلى الإمداد بالرسل ليقووا عزائمهم ويحدوا سرائرهم، فيأمنوا مكانهم الوقوع في الغلط والخطأ، وإنما الإقرار وإن كان وقع عن الجماعة فشيء قد مضى، ولا يتغير عن حاله ـ كان بعده رسول أو لم يكن ـ وأكثر ما يمكن أن ينسوه أو ينكروه عند أهل هذا القول أنهم غير معدودين بما عرض لهم فيه، وأن الإقرار محتج به عليهم يوم القيامة، فلا حاجة مع هذا إلى الرسل إذا! وإذا أخبر الله - عز وجل - أنه أرسل الرسل لقطع الحجة صح أن هذا الإقرار الذي يصفونه على الوجه الذي يذكرونه غير واقع من الجماعة والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت