فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 1140

ولا ينبغي للمسلم أن ينظر في كتب المشركين، وما ألفوه من آرائهم، وأبدوا به من مقالاتهم، وهجنوا به مذاهب غيرهم، قبل أن تحكم قواعد دين الله تعالى، ويرسخ في علمه، ويستبصر بأصوله وحججه.

فيكون نظره في أعدائه، وأعداء رسله صلوات الله عليهم، بعد ذلك مقرونًا بما يريه الله تعالى عند الهجم عليها من فضائحها وعوراتها وقبائحها، فيميز المناقضات، ويبين الشبهات، ولا يترك دعاويهم وشرحهم أقوالهم منازل الحجج، فيعتمدها إعتماد ما قد يرى وضح الحق فيه، وقام دليله.

ولا يقبل تشيعهم على من يخالفهم قبول من يرى أنهم هم المحقون وغيرهم المبطلون.

فإن أكثر من اغتر بقول الفلاسفة وهلك بكتبهم، إنما أتي من قبل أنه افتتح بها، فسمع ما يسمع من آرائهم قبل أن يكون له بدين الله تعالى علم قليل، أو كثير، أو بآياته وبيناته وحججه الباهرة القاهرة.

وبغير يسيره وخطيره، فلا تسموا بالحكمة وسماهم الناس بها، وظهرت لهم في علم الأبدان وغيرها آثار كثيرة، يأتون فيها بالفضل والبراعة، فظن أن منازلهم في علم النبأ العظيم الذي هو هم عنه معرضون.

وللأمر الكاتف الجسيم الذي هم فيه متحيرون كمنازلهم فيما أدركوه ووفقوا له فأصابوه، فقبلوا قولهم تقليدًا بلا استبصار، وتعظيمًا لهم من غير نظر واعتبار.

فضلوا عن الصواب، وأخطأوا سبل الرشاد.

وهو عليهم قول الله تعالى {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} .

وأيما مسلم جلس إلى بعض من حقت عليه الضلالة، فسمعه يظهر الكفر والإستهزاء بآيات الله، فحرام عليه أن يقضي عنه ويسامحه بترك الإنكار عليه، بأن كان لذلك أهلًا.

فإن كان يقصر عن ذلك، فإن يرفعه إلى الإمام.

أما الوالي والقاضي وأكبر علماء المسلمين في بلده ليزجره، يعمل به ما يستحقه.

وإن لم يقدر على شيء من ذلك فليفارقه، ولا يقم عنده، وهو غمه في طغيانه، وتأبيط بالباطل من لسانه، قال الله عز وجل: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا} الآية إلى آخرها.

وقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} .

وهذه الآية مكية.

وكان النبي - صلى الله عليه وسلّم - بمكة لا يطيق مدافعة المشركين، فلهذا ـ والله أعلم ـ قصر فرضه عن الأعراض دون ما زاد عليه، ومن لم يفعل شيئًا مما ذكرنا، ولا هو أنكر ولا رفع الأمر إلى من يغيره، ولا قام فاعتزل، بل لزم مكانه يسمع ما يجري فيه من الباطل فلا يعتنى به، ولا يجد في قلبه منه ما يهزه ويزعجه، كان ممن قال الله - عز وجل - {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} .

ونعوذ بالله من هذه الحال، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت