فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 1140

وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ} .

وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

وقال: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .

والصبر في هذه الآيات ينتظم معاني: أحداهما: الصبر على كلف العبادات، وما يلحق النفس في إقامتها من المشقة.

والآخر: الصبر على المصائب المؤلمة الكارثة.

والثالث: الصبر على أذى المخالفين وما يفرغ للأسماع من قولهم السوء، واستهزائهم وسبهم وما يتصل بذلك من أمرهم.

والرابع: الصبر على الشهوات ومجاهدة النفس في وقعها عما يهم به منها حلالها وحرامها.

وجملة ذلك الصبر عما لا ضرورة إليه ونزل عليه.

وقد يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة بهذه الآيات، لأنه لا ينافي بينها حتى إذا كان أحدها من إذا امتنع أن يكون للآخر مرادًا.

وقد قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

فقيل معنى قوله عز وجل: {اصْبِرُواْ} أي على ما كلفتم، ولا تخلوا بشيء منه ولا تقصروا فيه.

ومعنى قوله {وَصَابِرُواْ} أي صابروا العدو واثبتوا لهم كما يثبتون لكم.

وقال قبل هذا {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} فأخبرهم - عز وجل - أن نسخ الشرائع المتقدمة وانبعاث نبي فله جريده، والأمر مع ذلك بقتال من خالف.

فعرضهم لأن يبتلوا في أموالهم وأنفسهم.

أما في أموالهم بأن ينفقوها في نصرة دين الله، وبأن يذهب منهم أن ظهر أمر العدو عليهم، والأنفس بأن يمتهن ويبتذل ويجوع ويعطش وينصب ويجهد في نصرة دين الله.

وأن يعرض للقتل، فيطاب نفسًا عنها ويعوضهم أن لا يسمعوا من أهل الملل المرفوعة، ومن المشركين أذى كثيرًا.

فإن هم ضاقوا صدرًا بكل مكروه يلحقهم فليعلموا أن لا قوام لدينهم في التضجر بما يصيب فيه ولأجله.

وإن وطنوا قلوبهم على الصبر واتقوا عذاب الله تبارك وتعالى فلم يعرضوا دينهم للذهاب، باستشعار القلق والضجر {فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .

أي من فعل الحازم العازم، وهو الثابت في الأمر الجاد فيه.

وهكذا حكمه - عز وجل - عن لقمان بعدما وصفه بالحكمة أنه قال فيما وعظ به ابنه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .

وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت