فهرس الكتاب

الصفحة 1100 من 1140

وأما الصبر على المصائب، فقد تقدم القول فيه، وقد قال - عز وجل - فيما يتصل منه بالصبر عن مجازاة الظالم: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} .

فكان معنى قوله - عز وجل - {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي ينتصرون جميعًا أي يتناصرون، لا يخذل بعضهم بعضًا.

وهذا مدح لهم بالتناصر إذا قصد المبغي عليه أن ينتصر.

ثم بين بعده إن كان الإنتصار مملوكًا، فالعفو خير له لأنه يستحق به إذا أراد وجه الله تعالى أجرًا هو خير له، وأعود عليه من الإنتصار.

ثم زاد نعتًا على العفو وندبًا إليه، فقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .

أي من فعل العازم وهو الثابت الجاد في الأمور.

وفي الصبر على البلاء: روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال في الخصي: «من ابتلى بمثل ما ابتلي هذا فصبر، فله الجنة» .

وهذا ـ والله أعلم ـ إذا صبر فلم يجزع، ولم يقل بلسانه ما يقول المصاب مما يشتد عليه، ولم يضق ذرعًا بما يحس في نفسه من شهوة لا يستطيع قضاءها.

ورغب فيما عند الله من ثوابه، فهون المصيبة على قلبه واستخفها في حب ما يرجوه من فضل ربه عز وجل.

فأما الصبر لا على هذا الوجه فصبر ومره وليس هذا المراد بالحديث والله أعلم.

وفي الصبر على المصيبة: قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا اشتد حزن أحدكم على هالكه فليذكرني، وليعلم أني قد هلكته» .

وفي الصبر على البلاء عن الاصبع بن ببامه قال: دخلنا مع علي رضي الله عنه على الحسن بن علي رضي الله عنهما نعوده، فقال له علي: كيف أصبحت يا ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -؟ قال: أصبحت بحمد الله بارئًا.

فقال علي رضي الله عنه: كذلك إن شاء الله.

ثم قال: أسندوني.

فأسنده علي إلى صدره، فقال: سمعت جدي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «عليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني، إن في الجنة شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبًا» .

وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

ومن ذلك ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - من قوله «من سلبت كريمته فوضعه بينهما الجنة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت