فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 1140

ومنها أن يلهم الله تعالى واحدًا منهم بالكلام يسمعه على شيء فيجده في نفسه من غير موصل يقدمه إلا منه إليه بحس واستدلال.

ومنها أن يوحى إليه على لسان ملك فيراه فيكلمه كما يكلم واحدًا من البشر صاحبه فيقع له العلم بما يسمعه منه.

ومنها يأمر الملك فينفث في روعه كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - إنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي: فإن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجعلوا في الطلب» .

وهذا هو الوحي الذي يخص القلب دون السمع وفي كتاب الله عز وجل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} .

وقال الله عز وجل: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ} .

وذلك ـ والله أعلم ـ أن ينفث الملك في روع المؤمن من الأطماع في الظفر بالعدو، والرغبة في الثواب والأجر والاتكال من القرار، فيحمله ما يجده في قلبه من هذه المعاني في الثبات ويزول عنه ما يوسوس به الشيطان من التخويف والإِحباط من الظفر، والحمل على اغتنام السلامة بالرجوع إلى الأهل، إذا كان الملك ينفث في روع كل مؤمن.

فما الفرق بين النبي وبين من دونه؟

قيل له: لا ينفث في روع من دون النبي - صلى الله عليه وسلّم - علم الأحكام ولا الكوائن والحوادث المستقبلة، والوعد، وإنما ينفث في روعة ما تقدم ذكره وما يشبهه فيكون ذلك مداد للتوفيق يدرأ به عنه وساوس الشيطان عن صدره والله أعلم.

ومنها اكمال عقل النبي وتقويته وصيانته عن الخبل والجنون فلا يعرضان له، وبالحر في أن يكون ذلك لا آلة التمييز والعيان على الدلائل كلها هو العقل، فيحق أن يكون من اصطفاه الله بتكليمه وإرسال ملك إليه بامره ونهيه ووعده أقوى الناس تمييزًا وأصحهم إدراكًا في كل ما يلقى إليه، وأثبتهم فصلا فيما هو عنده الخطاب والتكليف، ولولاه لم يكن بين الناس وبين البهائم فوق، ولا لهم عليهم فضل، فإنه إنما يبلغ عن الله يلقى عنه ويتلقى عنه بحسب ما يؤول فيه من قوة الإِدراك والقبول.

فإذا لم تكن القوة في نهاية الشدة، ثم انضاف إلى ذلك خروج للامر فيما يلقى الله من العرف والعادة، واقتربت به الهيبة والخشية حتى يقيد لهما أحواله في تلك الوقت عيانا، عما كانت تكون عليه في سائر الأوقات عسر عليه ضبط ما يلقى إليه وتثبته على وجهه وحقيقته، فيثبت بما وصفنا أن عقول الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أكمل العقول وآراءهم أشد الآراء، ولذلك يكملون لقبول الوحي أولًا، وتبليغه ثانيًا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت