ومنها تقوية حفظه وذكره حتى يسمع السور التي لم يسمعها، ولا كلامًا مثلها منظومًا بنظم خارج عن نظوم كلام الناس، من الملك مرة واحدة فيعيها طويلة كانت أو قصيرة ويحويها قلبه ولا ينس منها حرفًا حتى يبلغها الناس كما أخذها من الملك.
ومنها أن يعصم من الزلل في رأيه، فإذا اجتهد في الحوادث رأيه لم يخطئ، ولم يحلم إلا بالصواب والحق.
ومنها إذكاء فهمه حتى يتسع لضروب من الاستنباط بما أوحي إليه لا يبلغها فهم من دونه، وحقيق أن يكون كذلك.
وان العلماء من أمته متفاضلون، فمنهم من يدرك بفهمه ما لا يدركه فهم غيره وان فهمه، فالنبي الذي هو أعلم العلماء أولى بان يفضل أمته فيكمل من الإِستنباط لما يقصر عنه غيره.
وقال بعض العلماء: ان عامة سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - راجعة إلى القرآن.
ومعلوم أنه ليس كل شيء منها تقف العلماء على أصله، فذاك إذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، كان يدرك من معاني الوحي مما لا يبلغه فهم غيره فيحسب ذلك كأن يكون استنباطه والله أعلم.
ومنها اذكاء بصره، حتى يدرك الشيء الذي لا يقوى بصره في كل وقت، ولا يصر غيره على إدراك ما بعد ذلك البعد ولا ما دونه كما قال نبينا - صلى الله عليه وسلّم: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» .
ومعلوم أن البصراء يتفاوتون في البصر تفاوتًا بعيدًا.
وقد كانت زرقاء اليمامة تدرك الشيء من مسيره ثلاث، وقصتها في ذلك مشهورة.
فلا ينكر أن تفاوت بين النبي وبين غيره باذكاء بصره حالًا ووقتًا ليدرك به ما يفوض له مما يراد توفيقه عليه، ويكون معنى قوله: (زويت لي الأرض) على هذا أي قربت علي إدراك مشارقها ومغاربها، فكانت من احاطة بصره بي لها كأنها حاضرة إياه والله أعلم.
ومنها اذكاء سمعه حتى يسمع ما لا يقدر غيره على سماعه لبعد المسافة بينه وبينه، كما روي على نبينا - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما منها موضع قدم إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى» ، وروي عنه أنه سمع وحيه فذكر أنها هوى بصخرة قذقت في جهنم لم تبلغ قعرها إلى الآن، ولا سبيل للملحدين إلى استبعاد هذا واستنكاره، فإنهم يدعون لفيثاغورس أنه كان يسمع اصوات الكواكب والأفلاك إذا تحركت، وأنه الف الحانة عليها، وهم عندنا في تلك كاذبون إلا أن يثبت أن فيثاغورس كان نبيًا، فيجوز أن يكون اسمع ما ليس في العبادات إمكان اسماعه وتأليفه الالحان عليها أنه يصدقه.