ومنها إحضار النبي مشاهد لا يبلغ فوق البشر أن يبلغها، كالعروج بنبينا - صلى الله عليه وسلّم -، ورفع موسى حيًا إلى السماء في قول أكثر المسلمين.
ورفع ادريس والياس على ما وَرَدتْ به الأخبار.
وهذا إنما يدخل في باب الإعلام لنبينا - صلى الله عليه وسلّم - خاصة لأنه عرج به إلى السماء ليشاهد فيها من الآيات الباهرة ما لم يكن يشاهد مثلها في الأرض، وليوصي به فرض الصلاة، فيرجع به إلى أمته.
فأما عيسى عليه السَّلام وإدريس، فإنما رفعا للإسكان، واخراجهما من بين أهل الأرض لتعليم شيء لم يكونا علماه من قبل والله أعلم.
ومنها اذكاء شمه كما فعله باسرائيل صلوات الله عليه بان يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه والقائه على وجهه، وفصلت العير من مصر، قال أبوه: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} .
ومنها تسيره في مدة يسيره مسافة طويلة لا يقدر البشر على قطع مثلها في مثل تلك المدة، كالإسراء بنبينا صلوات الله عليه من مكة إلى بيت المقدس، ورده منها إلى مكة في بعض ليه.
قال الله عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} ، ولأنه - عز وجل - أخبر عن فائدة ذلك والحكمة فيه، قال: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} .
دخل في باب الاعلام والتوفيق، وإن كان يدخل من وجه آخر في باب التأييد.
ومنها تغيير العبادة في مخاطبته، فقد روى أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلّم: «كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيقضي عني وقد وعيت ما قال.
وأحيانا تمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما قال» وإنما كان الأول أشد الوحي عليه، لأن الملك إذا مثل له رجلًا فلقيه في صورة حسنة لم يداخله به ربه روع ولا أمر بينه وبين القبول عنه، وكلمة مع ذلك بلسانه الذي يعرفه كلامًا عهد مثله، فلم يبعد مراده من فهمه.
وأما إذا لم ير ملكًا وسمع صوتًا مثل صلصلة الجرس واضطرا إلى علم أنه وحي، فأول ما في ذلك ان مثل هذا الصوت إذا قرع القلب، ثم إذا أقيم مقام الكلام ولم يكن في نفسه معهودًا نبأ القلب عنه أول مايرد عليه، ثم إذا وقع العلم بأنه خطاب يحتاج إلى تلقيه وحفظه زاد ذلك في شغل القلب به.
ثم أن المخاطب بمثل هذا الصوت لا يخلو من أن يحول في ذلك الوقت عن طباعه، حتى أنه ربما أثر ذلك في أحواله الظاهرة منه، ليصير كالصحيح إذا مرض، أو الماشي إذا جهد ونصب أو الصائم أذا جاع أو عطش.