وكان ما يعرض للنبي - صلى الله عليه وسلّم - عند نزول الوحي عليه من البرجاء والومضاء من العرق منه في اليوم الثاني، ونقله على الراحة حتى يكاد بطنها يلتصق بالأرض وينكسر عضداها، من هذا الوجه وقد روي في قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .
إن الله - عز وجل - إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات مثل صوت الصلصلة على الصفوان، ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم، قالوا الحق، وهو العلي الكبير.
فإذا كان الوحي الذي يوحى إلى الملائكة صوتًا مثل صوت السلسلة على الصفوان.
فالنبي - صلى الله عليه وسلّم - إذا أوحي إليه بصوت مثل صوت الجرس، كان هذا الوحي شبيهًا بالوحي الذي يوحي إلى الملائكة قبسه، والله أعلم أنه في تلك الحال كان يلزم باديانه من طباع الملائكة وتمثيله في بعض الوجوه لهم، كما كان الملك في بعض الأحوال يمثل رجلا لتعليمه ومخاطبته فيلقى الوحي الذي بمثله إلى الملائكة، ويشتد ذلك عليه، إلا أن الله - عز وجل - يعصمه خلال ذلك من الإغفال والنسيان فكانت تلك الحالة تنقضي عنه.
وقد وعى ما قيل له والله أعلم.
ومنها أن يحدث الله تعالى في صيوان قد ذبح وشوى كلامًا فيسمعه النبي - صلى الله عليه وسلّم - ليدل به على أمر مغيب عنه، كما روي أن الذراع قالت له في بيت يهودي: إني مسمومة فلا تأكلني وهذا يدخل في باب التعليم من الوجه الذي بينته، ويدخل في باب التأييد من حيث أن كلام الذراع شيء غير معهودة.
ومنها أن يحدث الله تعالى في الحيوان الذي لا صوت له، صوتًا يحضره نبي ويسمعه إياه فتختص بإدراكه، ثم يخبره به غيره، قال الله - عز وجل - في قصة سليمان عليه السلام: {حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} .
وهذا يدخل في باب التعليم، ويدخل في باب التأييد، فأما دخوله في باب التعليم فقد يكون أنه أريد بإقرار النملة على الكلام، واستماعه ذلك منها.
ويكون من وجه أن يعلمه أن في طريقه نملا كثيرًا ليعدل بجنوده عن ذلك الطريق فلا يحطوها وهم لا يشعرون.
وأما دخوله في باب التأييد، فمن وجه أنه أمر غير معهود خص سليمان بأحد آية ونقص الصلاة به لأجله فكان كسائر الآيات والبينات، وهذا يصح إن كان قومه سمعوا للنملة نغمة ما، ثم بين لهم سليمان من مرادها ما لم يعرفوه.