ثم أن رفعه من بين اليهود لما أرادوا قتله وصلبه، فعصمه ذلك من أن يخلص القتل والصلب إلى بدنه، وكان الطب عامًا غالبًا في زمانه ووقته فأظهر الله تعالى بدعائه وأجراه على يده من زوال الداء العظيم دفعة واحدة بدعائه، وحدوث جارحة لم تكن أصلًا، ورجوع الحياة إلى البدن الميت، وعجز الخلائق من الأطباء عما هو أقل من ذلك درجات كثيرة.
إن التعديل على الطبائع وإنكار ما خرج منها باطل، وإن للعالم خالقًا ومدبرًا لا يتعذر عليه إحياء ميت، ولا ابداع خارجه، ولا إزالة عدمه.
ودل بإظهار ذلك له ولأجله وبدعائه وعلى يده حاجته ما يدل على صدقه على أنه محق فيما يدعيه من رسالته وبالله التوفيق.
وأما المصطفى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - وعلى آله وصحبه وعزته، فإنه كان أكثر الرسل آيات، ذكر بعض أهل العلم أن نبوته تبلغ ألفًا.
فأما العلم الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته، فهو القرآن المعجز المبين، وحبل الله المتين الذي هو كما وصفه به من أنزله، فقال: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .
وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} .
وقال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} .
وقال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} .
وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
وقال: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} .
وقال عز وجل: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
فأبان جل ثناؤه أنه أنزله على وصف مباين لأوصاف كلام بشر، لأنه منظوم، وليس بمنثور، نظمه ليس نظم الرسائل ولا نظم الخطب ولا نظم الأشعار، ولا هو كإسماع الكهان.
وأعلمه أن أحدًا لا يستطيع أن يأتي بمثله ثم أمره أن يتحداهم على الإتيان به، وإن ادعوا أنهم يقدرون عليه أو ظنوه فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} .
ثم نقصهم تسعًا، فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} .