فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 1140

فكان من الأمر ما يصفه غير أن من قبل ذلك دلالة: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان غير مدفوع عند التوافق والتحالف عن الحصافة والمانة، وقوة العقل والرأي ومن كان بهذه المنزلة، ومع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه، وذكر لهم أنه رسول الله.

بلغ من ميله إلى إظهار دينه وحرصه على إدخال الناس في مثله، أن يقاتل ويجاهد ويعاني الأوابد ويكابد الشدائد، ولم يكن أن يقول للناس أتوا بسورة من مثله ما جئتكم به من القرآن، ولن تستطيعوه، فإن أتيتم به فأنا كاذب، وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه وهو الذي تولى وضعه ويعلم أولًا ما من أن يكون في قوله من يعارضه وينتظم له من الكلام، أن صرف إليه همه مثل الذي إنتظم له، وإن ذلك أن كان يطلب دعوته وإنتفض أمره، وكان أحسن أحواله أن سومح فاستحى، وسوهل فاستبقى أن يصر بين الناس في الكذب آية، ولم يعلم له بعد ذلك عند أحد رأيه، فهذا إلى أن يذكر ما بعده دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب إيتوا بمثله إن استطعتموه ولن تستطيعوا إلا وهو واثق متحقق مستيقن أنهم لا يستطيعوه، وليس يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له من قبل نفسه، فصح أنه إنما وقع له من قبل ربه الذي أوحى إليه به موثق أجره وبالله التوفيق.

وأما ما بعد فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال لهم: «إئتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين!» فطالت المهلة والنظرة لهم في ذلك ولو أثرت الوقائع والحرب بينه وبينهم فقتلت صناديدهم وسبيت ذراريهم ونساؤهم وانتهبت أموالهم، ولم يتعرض أحد لمعارضته، فلو قدروا عليها لافتدوا بها أنفسهم وأولادهم وأهليهم وأموالهم، وكان الاسم في ذلك قريبًا منهلًا عليه، إذ كانوا أهل لسان وفصاحة وشعر وخطابة، فلو لم يأتوا بذلك ولا ادعوه، صح أنهم كانوا عاجزين عنده في ظهور عجزهم عنه بيان أنهم في العجز مثلهم، إذ كان بشرًا مثلهم، لسانه لسانهم وعاداته عاداتهم، وطباعه طباعهم وزمانه زمانهم، وإن كان ذلك وقد جاء بالقرآن وجب بأنه من عند الله لا من عنده وبالله التوفيق.

فإن قيل: فإن مسيلمة قد ادعى أنه يأتي بمثل هذا القرآن، وقال: لقد أنعم الله على الحبلى إذا خرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشاء، وقال: يا ضفدع نقي كم تنقين فلا الشراب تمنعين ولا الماء تكدرين، وقال: الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب طويل، وشفر وثيل، وإن ذلك من خلق لقليل، وعارض سورة الكوثر فقال: إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر، إن عدوك هو الكافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت