فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 1140

وفي حديث آخر أن عيينه بن ربيعة قال لقريش: خلوا هذا الرجل واجعلوها لي والله لقد سمعت الشعر قريضه وزجره وقول الكهان، فما سمعت مثل قوله، وذلك عندما سمعه يقول: (حم) .

(السجدة) ، من أولها إلى أن بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} فأقسم عليه أن يمسكه ويصد قريشًا، فقال لهم ما قال: فقالوا سحرك يا أبا الوليد!

وهذا كله يبين أنه لم يكن يخفي على العرب أن القرآن لا هو كالإسجاع ولا هو كأراجيز العرب التي كلها أجلى وأنهى وأفصح وأهيأ من إسجاع مسيلمة، فكيف يقبل من مسيلمة، أن يدعي معارضته القرآن بشيء لولا قصد الحجاج وإزالة الشبهة عن صدور المستضعفين لجلب نعمة الله على عباده بالسمع أن يصرفوا إليه ويشغلوه به وبالله التوفيق.

والاحتجاج بالقرآن وجه ثالث: وهو أنه كتاب ناقض للعادات من كل وجه، ولأن الناس حين بعث الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلّم - كانوا فريقين: معطلين وملبين.

فالمعطلون لم يكونوا يقولون بأمر ولا نهي ولا تحليل ولا تحريم ولا وعد ولا وعيد ولا تسبيح ولا تقديس ولا عبادة قط.

والملبون متمسكين بالشرائع المورثة لهم عن أسلافهم، المبدلة منها وغير المبدلة، ولم يكونوا في العبادات ولا الأحكام عن المنهاج الذي نهجه القرآن، والمعطلة من العرب لم يكن تعطيلها إلا تقليدًا، ولم يكن لهم من بالحجج وطرق النظر ما كانت لمعطلة الفلاسفة، وكذلك المتدينة منها بنصرانية أو يهودية أو مجوسية ما كانت إلا مقلدة، ولم يكن لها في النظر والحجاج والجدل نصيب.

وكان النبي - صلى الله عليه وسلّم - مولودًا بمكة، وبها تربى على عادات أهلها، نشأ لم يجالس النظار ولا حملة الأشعار، إذ لم يكن منهم من يليه أحد ولا أن يحل إلى من كان منهم في غير بلده، فجالسه والتقى به، ولا عرف البحث عن الديانة والخوض عنها من همه ودأبه، وكان مع هذا الإنفراد لا يكتب.

ثم أنه جاءهم بالقرآن المشتمل على الإثبات والاستغفار والتمجيد، وإثبات العبادات على اختلاف وجوهها وإبانة الأحكام في عامة الحوادث على كثرها ويقين أصولها وفروعها، وكانت جملتها مخالفة في أنفسها لما عليه المعطلة، وفي أوصافها وشرطها لما عليه الملة المتدينة، فدل على وجوه الحجاج وأرشد إلى طرق الجدل والخصام، وكان في مجموع ذلك كله ثلاثة معاني أخذها القرآن كتاب وخبر وفيه تكرير.

وعلى ذلك فقد إشتمل من بيان أحكام الحوادث على ما أفاد بعضها الكفاية ببعضه، وفي بعضها ما يضمنه من المعنى الذي يتوصل به إلى معرفة الحكم فيما قصر اللفظ عنه، فلا تخلو حادثة تحدث إلى قيام الساعة عن أن يمكن استدراك حكمها من قبله، ومن وجه فيكون مرجعه إليه ومصدره عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت