فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 1140

والثالث هو ما أشار إليه جل ثناؤه بقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} .

منها عما قد كان، ومنها عما قد يكون في الدنيا وفي الآخرة ولم يأت به النبي - صلى الله عليه وسلّم - جملة وإنما أتاهم به شيئًا بعد شيء، وقد جرت العادة، بأن الكذاب لا يسلم من المناقضة في كلامه، ولا سيما إذا تشتت أخباره وتخللت بينها أزمان متباعدة، وأحوال متتابعة.

فلو كان القرآن وضعًا من تلقاء نفسه، لوجدوا في أخباره من التفاوت ما هو أظهر إمارات الكذب، وأبين ما يميز به الناس بين الصادق والكاذب، فيقول قائلهم: أما فلان فلا تجري أقواله إلا على نهج واحد، وأما فلان فإنه يقول مرة كذا ومرة كذا، أي أن الأول محق صادق، والآخر مبطل مخارق.

وما لم يوجد ما ذكرنا أنه إمارة الكذب والكذاب في القرآن، صح أنه إنما جاء به من عند الله عز وجل، وهذا كما قال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} .

أي ألم يقابلوا أحواله وأوصافه بأحوال المتحابين وأوصافهم حتى إذا لم يجدوا شيئًا منها له وفيه علموا أنه ليس بمجنون.

فإن قيل: أن أخبار القرآن لا تبلغ في الكثرة أن لا يطلق الاحتراز فيها من المناقضة

ولا سيما إذا كان الذي يأتي بما يريد، يتوصل به إلى إثبات الرسالة لنفسه من الله - تعالى جده -!

فالجواب: أنه مامن مخبر كاذب إلا وله في خبره غرض يريد أن يبلغه بخبره، ويكره أن يظهر المخبر كذبه فيه، ثم ليبين في ذلك ما يحتمل وجود التفاوت في كلامه إذا ردده في عدة مجالس في يوم أو أيام متدانية أو متباعدة، وما ذاك إلا أن التحرز من المناقضة في بواعث العقل والتمييز وجب الذكر الجميل، والإشفاء من الاسم الذميم.

ومن كان بهذه المنزلة لم يكذب ولم يقتصر على أن يكون كذبه معتدلًا دون أن لا يكذب أصلًا، وإنما يرضى لنفسه بالكذب من ضعف رأيه وخف وزنه أمامه الذي لومه حالة وعرضه القائم في نفسه حين تكلم تكلمًا يغرب الحال، وإختلف العرض بغير كلامه ولم يجعل بما تقدم له منه.

وإذا كان هذا هكذا، لم يكن في إمكان التحفظ من المناقضة في قدر أخبار القرآن الكريم بما كان يحيل أو يمنع وجود آيات الكذب فيها لو كان الآتي بها صادق وبالله التوفيق.

وفيه وجه آخر وهو أن في هذه الآية: أن القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه التفاوت والتناقض ولكن ليس فيها أن ذلك على أي وجه، وجد من حيث أن الآتي به كان لا يقدر على التحفظ فيه أو من وجه سواه فيقول: بل من وجه سواه، وهو أن الله - عز وجل - إذا رآه مستظهرًا بالتحفظ على التلبيس، ويتوصل إلى وضع شريعة وصرف الناس عن الشرائع الصحيحة إليها، حال بينه وبين همه وسلبه الأوصاف الذي يتمكن بها من الاحتراز وعرضه لما يوقعه في المناقضة وحلاه حلية الكذابين، فلما لم يفعل ذلك بمن جاءهم بالقرآن ولا هو أنزل عليه عذابًا ولا سلط عليه عدوًا بل كتب له النصر على من ناوأه أو خالفه وجب أن يعلم أن من جاء بالقرآن من عنده وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت