فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 1140

وأما ما حكي عن شعر العرب من ادعائهم أن نوابغهم يعينونهم على أشعارهم، فليس ذلك على معنى أنهم يلقنونهم الشعر، إذ لو كان كذلك، لكان أولئك هم الشعراء، وهؤلاء أداة لهم، مخبرون عنهم، وإنما هو على معنى أنهم يذكرونه، معنى لا يحصرهم من تشبيه أو مدح أو ذم أو شيء قد إعتاض عليهم.

فأنه إذا جاز عليها أن تذكر وقد يمكن أن تقع مثل هذه المعونة من الإنسان غير الشاعر للشاعر، فإن وقعت من حتى غير شاعر لا بشأن شاعر لم يبعد وبالله التوفيق.

ثم نقول: لو كان القرآن من نظم الجن لم يخل الذي نظمه منهم من أن يكون حكيمًا أو غير حكيم، فإن كان حكيمًا، فالحكم لا يكذب على الله عز وجل، ولا يصنع كتابًا، ثم يقول هذا كتاب الله، ولا يقدر الإنس والجن على مثله، ولا يأمر من ليس بنبي أن يتنبَّأ ولا يعينه بما يخيل إلى الناس أنه صادق ليقبلوا منه ويأخدوا عنه، فإن لم يكن حكيمًا فغير الحكيم لا تجري أفعاله وأقواله، لا على الحكمة، والقرآن مبني على أبلغ الحكمة، فيثبت أنه لا يجوز أن يكون من وضع من ليس بحكيم، وإذا بطل الوجهان، وكانت إضافة القرآن إلى الجن لا ينفك منهما، صح أن هذه الإضافة باطلة، لأن مما لا ينفك عن الباطل باطل.

وأيضًا فإن تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلّم - في أن القرآن كلام الله أنزله عليه على لسان ملك، وادعى أنه كاهن، فإن القرآن من وضع الجن لا فائدة فيه، لمن يكفر به، وإن تكذيبه من هذا الوجه يؤدي إلى تصديقه، وإذا وجب صدقه لم يجز تكذيبه فيكون التكذيب عائدًا على نفسه بالإبطال.

وبيان ذلك: أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم -، إن كان أخذ القرآن عن جني فلم يكن يخلو غيره من الجن من أن يقدروا على مثله أو لا يقدروا فقد كان ينبغي لكفارهم أن يعينوا إخوانهم من الإنس بالمعارضة بعد أن يجدوا، وقيل: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} .

وإذا لم يفعلوا وأسلموا إخوانهم للقتل والسبي، دل ذلك على أنهم عاجزون عن معارضة صاحبهم، وإذا وجب ذلك، صح أن صاحبهم في العجز مثلهم، وأنه لم يأت به من عند نفسه، فعاد الأمر إلى أنه جني أمده الله بمعجزة فشهد على أحقاق رجل من الإنس مما يدعيه من رسالة ربه، فيقبل ذلك منه ويعترف بالصدق له، ولا فرق بين أن يرسل الله رسولًا، ويقرن برسالة حجة يتولى إقامتها بنفسه، وهي أن يقبض معجزة ليصدقه في أن تصديقه واحد في الحالين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت