وإن أصابتك مصيبة فرحوا بها وقالوا: إنا سلمنا مما أصاب غيرنا لأنا إحتطنا لأنفسنا بالتخليف عنه، وإستقلنا الأمر بواجبه، وحسنا تدبيره، فذمهم الله - عز وجل - وعاب قولهم هذا، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن يخالفهم فيقول: {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا} أي خالقنا، وهو في أيدي الملائكة ينظرون فيه ويعلمون منه إحاطته الله تعالى بما هو كائن من أمور عباده قبل أن يكون.
فلا سبيل لأحد الاحتراز من أن يصيبه ما كتب أن يصيبه، ولا إلى الاحتراز ما لم يكتب أن يصيبه، وبالله التوفيق.
وقال عز وجل: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
ثم قال: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} .
يحتمل أن يكون المعنى: فاعلموا هذا وأعلمناكم هذا لكيلا تحزنوا على ما يفوت، ولا تفرحوا بما يأتي.
وقد بينت فيما تقدم أن هذا حزن السخط وفرح التبذخ، ويدخل على ذلك قول الله - عز وجل - موصولًا بما ذكرت: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}
فأبان أن الفرح الذي ذمه وأنكره هو الإختيال والتفخر به على من لا يؤت مثل ما أوتي، وذلك فعل من يرى أن الذي تيسر له فيمن قبل نفسه.
فأما من يعلم أنه إنما أنعم به عليه من لا يعجزه تعميم العباد كلهم بمثل ما أعطاه وخير وأكثر منه، فإنه لا ينكر بما أوتيه على غيره ولا يروى أحدًا كما لأجل أنه لا يرى له مثل ما يرى لنفسه على حمد ربه والتقرب إليه بما يديم له عوارف فضله.
وقال في آية أخرى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} فأمر نبيه - صلى الله عليه وسلّم - أن يخبر أمته أنه ليس من أمره شيء، وإنه لا يقدر على أن ينفع نفسه ولا يضرها، ليعلموا أنه إذا كان مع اصطفاء الله تعالى إياه برسالته لا يملك من أمر نفسه شيئًا، فمن لم يكن له من الله هذه الأثرة وهذه المنزلة فهو من أن يملك مضر نفسه أو نفعها بعد، وعن أن يملك نفع غيره أو ضره أعجز، وبالله التوفيق.
وأما الحديث الذي جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في القدر، وأن خيره وشره من الله، فقد روي فيه: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك» .
ومعنى هذا وجوب البصر، وإلى الله تعالى من الحول والقوة والإستسلام للقضاء والقدر وشرح الصدر به.
ومعنى حلوه ومره ما سر وجف عن الطبع وساء وثقل على القلب والله أعلم.