وقال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} .
وقال: {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} .
وقال: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} .
فأخبر الله - عز وجل - عباده أنه يميت جمعهم ثم يحييهم ويبعثهم من قبورهم ويجمعهم في صعيد واحد ويحاسبهم بأعمالهم ويجزيهم بما وقرت ذلك عليهم بأشياء كثيرة منها: الإحالة على القدرة، ومنها المعارضة بالابتداء، ومنها التنبيه على ما يشاهده من لقائه إحياء وإحيائها بعد موتها.
ومنها ما أخبرهم به من آرائه إبراهيم صلوات الله عليه إحياء الأموات، وقد نقلته عامة أهل الملك، ومنها ما أجبتم عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم: موتوا ثم أحياهم.
ومنها ما أخبر به من شأن أصحاب الكهف الذي ضرب على آذانهم زيادة على ثلاثمائة سنة ثم أحياهم ليدل يومهم عندما اعتز عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت لا ريب فيه.
ومنها ما أخبرهم به من قلبه عصا موسى عليه السلام حية، ثم أعادتها خشبة، ثم جعلها عند محاجة الشجرة حية ثم إعادتها خشبة، وقد إشترك عامة أهل الملك في نقله.
فأما الإحالة على القدرة: فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وأما المعارضة بالابتداء فقربته من هذه الحجة، وهو قوله عز وجل: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وإنما فرق بين الاحتجاجين أن أحدهما ما يبدأ خلق الذين وعدهم أن يعيدهم كما بدأهم، والآخر يخلق الأجسام التي هي أعظم وأكبر من الناس، وكل واحد منها لا يلزم لمنكري البعث أشد اللزوم.
أما أحدهما فلان الإنسان أحد الحيوانات الأرضية، فينبغي أن يكون خلق الأرض نفسها بما يحيط بها من السماوات أكبر من خلق الإنسان مبتدأ ومعادًا.
فإذا كان الله قد خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقها، فأولى أن يقدر على خلق الإنسان مبتدأ أو معادًا.