فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 1140

وأما الاحتجاج بما يشاهده من أحياء الله تعالى الأموات، فإنه وقع تبليه أشياء: أحدها بالأرض تكون حبة تنبت وتثمر وتموت،.

فتصير إلى أن لا تنبت وتبقى خاشعة هامدة.

فأما حياتها فإنها تكون عند سخونة الهواء الذي جاورتها وإسخانه إياها، وانسياق الماء إليها وترطيبه لها.

وأما موتها فإنما يكون عند إسخان الشمس إياها من غير ما تصل إليها، لأنها تصير عند ذلك كالفخار، وعند برودة الهواء المجاور إياها وتبريده لها، وصل الماء إليها أو لم يصل.

هذه أحوال تتعاقب على الأرضين كل سنة، فإنها تنبت وقتًا ثم تصير إلى أن لا تنبت وقتًا، فإذا أنبتت كانت حية تهتز، وإذا لم تنبت كانت ميتة هامدة، والله - عز وجل - هو الفاعل للأمرين، والمصرف لها على الحاليين، فإذا قدر على ذلك لم يعجزه أن يميت الإنسان أو يسلبه معاني الحياة ثم يعيدها إليه ويجعله كما كان وبالله التوفيق.

فإن قيل: ليس فيما أن الأرض لا تنبت في الشتاء ما يوحب لها حكم الموت ولا إسمه، فإن الشجر لا ينبت الأوراق ولا يخرج الثمار في الشتاء ولا يوجب ذلك لها حكم الموت ولا إسمه.

فالجواب: إن هذا السؤال ليس يطعن فيما قلنا بالحقيقة، وإنمنا هو معارضة لأن الشجر إذا لم يورق ولا يثمر في الشتاء فإن الأرض ميتة لا تنبت، وورق الشجر وثمره غير خارجين من أن يكون إنباتهما مضافًا إلى الأرض، فإذا ماتت الأرض فلا إنبات منها لا لنفس الشجر ولا لورقها ولا لثمرها، فلم يجز أن يستبدل بعدم الأوراق والأثمار من الشجر على أنها ميتة، لأن الشجر ليس باصل في نفسه وإنما هو مستعد من غيره، فإذا إنقطع المدد عنه لم يكن له ورق ولا ثمر، ولا صح الإستدلال بذلك وبغيره من وجود الإثبات على أن الأرض تموت في الشتاء إذا كانت لا تهتز لما يساق إليه، ولا شمس تنبسط عليه، ولا يكون منها إثبات كما لا يهتز الميت بسبب من الأسباب ولا تأتي منه الأفعال التي كانت تأتي في حال الحياة وبالله التوفيق.

فإن قيل: لو كانت الأرض ميتة لم تبق الأشجار الراسخة فيها حية ولماتت ثمرتها.

فالجواب: إن الأرض تموت كما قال الله عز وجل، ولكن الشجر الراسخ فيها لا يموت بموتها.

لأنه قد إستمد منها حسناتها تتباقى به إلى أن يحيى الله تعالى الأرض، بذلك أجرى الله تعالى العادة ولو توهمنا الموت مستمرًا بالأرض لم نتوهم الأشجار الثابتة فيها حياة.

ألا ترى أن الشجر الرطب أن أقلع في الربيع فقد يتباقى أيامًا كثيرة إلى أن يغرس ثانية، ولم استمر به القلع ولم يغرس، يتوهم مع ذلك حبة فكذلك يبقى بعد موت الأرض، وهي انقضاء الشتاء إذا كانت قد إستمدت قبل ذلك من الأرض والماء ما يكفيها، ولو استمر الموت بالأرض لم تبق، كما استمر بها القلع لم يبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت