وقوله في النار التي تحيط بالأرض، قول الله عز وجل: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}
وقوله في الأنفس الزكية أنها تصعد إلى السماء وسماؤهم أنور وأشرق من هذه، يدل على أن التي أشرق كواكبها تزول عنده فيضاهي ذلك ما في القرآن من قوله: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} .
وقال سقراط: فإن الذين مروا من قديم الدهر، إن الذي يصير إلى الآخرة من البقاء والأستبصار، فإنه ساكن الملائكة وعلى زرابيته الأكاليل، وإن الذين يمضون إلى الآخرة وليس عندهم نقاء فإنهم يكونون في الحمأة والبلاء، لم يكونوا أخساء ولا أرزال ولا جهال ولكن أهل فهم وعقل وفضل وجلالة، وأنا قد اجتهدت عند هذا كله في طلب الصواب وتيقنت تيقنًا لا يتقدمه شيء إن مصيرى إذا أخرجت من هذه الدنيا إنا هو مؤول في غابة الجود والخير، ورؤية أقوام خيار، فلم أعسر على مختلف من أخلقه من إخواني وساداتي لما أرجو أني ألقى هناك إخوانًا وسادت خيارًا ليسوا بديلًا من هؤلاء.
فقد أثبت سقراط أن ذكر الآخرة موجود سائر في الناس عند قديم الدهر، وإن الذين أخبروا بذلك كانوا أهل جلال وفضل وفهم، وذلك تكفيت للمعترضين في دعواه، إن أول من جاء بذلك نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ها هنا ومما كتبناه من كلامه قبل هذا: إن أهل البقاء يصيرون إلى فوق وخلافهم يكونون في الحمأة والبلاء، موافق لما في القرآن من قول الله عز وجل: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} ، وقوله: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}
وقول سقراط: إن الحياة تذهب بهم إلى نهر يلتهب بنار عظيمة وتغل بماء وطين، يوافق بما جاء غير واحد من الصحابة في قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} ، وأنها تحمي فتصير جهنم ويحبس فيها قوم من العصاة.
وقال بعضهم: سجرت أي سألت، فقد يجوز أن يحيي ويرسل فتصير أنهارًا جارية يغل بعضها بنار وبعضها بما وطين، وبالله التوفيق.
فإن قي: كيف يجوز إثبات حكم عن سقراط ولم يكن مصدقًا بالرسل؟
قي: إنما حكينا عنه قوله، ويقال: إنه كذا وكذا، فإنه قد أثبت لهذا الخبر أنه سمع ما قال إنه ليس بذلك، إنما إدعاه المعترض من أول إبداع هذا الوعد، إنما كان نبينا - صلى الله عليه وسلّم -، وإنه تنبه لما كان لا يجوز أن يثبته له، إلا الألوان من الدعاة إلى الله تعالى، إذ كانوا هم المتدئين للأمر بهت وكذب، وإن هذا مسموعًا متعالمًا منذ قديم الدهر، ثم سواء كان سقراط مثبتًا لهذا الوعد مصدقًا لهذا القول، أو منكرًا أياه ومكذبًا به، وعلى أنه يمكن أن يكون مثبتًا له من جملة ما أخبرت به الرسل، وإن كان غير معترف برسالتهم لاستبصاره من دلائل العقل ما يوحيه في الجملة، فإن لم يكن فيها التفصيل الذي جاءت به الرسل والله أعلم.