فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 1140

وعلى أن سقراط فيما قيل من خبره كان مصدقًا بالرسل فيما خلا ثم صار إلى تكذيبهم، لا من حيث رأى: إنه لا يجوز أن يكون الله تعالى إلى خلقه رسول، ولكن لأمر يسير دخلت عليه الشبهة من قبله، وهو أنه كان صاحب جهد في استنباط العلوم التي كانوا يسمونها رياضية وطبيعية.

فلما شاهد الرسل أمل أن يجد عندهم من هذه العلوم ما يستغنى بها عن الجهد والطلب، وستبين له الحقائق وتزول عنه الخواطر والشكوك، فلما لم يجد عندهم منها شيئًا إستبعد أن يكون الرسول الموحى إليه في البعد من هذه المعلومات كالعامة، فصار ذلك سببًا لأتهامه إياهم، وجحده ثبوتهم.

ولو كان الله تعالى له السعادة لعلم أن الله - عز وجل - إنما بعثهم ليوقف عبادة بهم على ما خلقهم له من عبادته ولم يكلهم أن يعلموا ما يبعث سقراط وأمثاله فيه أنفسهم شيئًا، ولا ذلك مما ينفعهم في الأخرة شيئًا، وإذا كان هذا سبب كفره فلا ينكر أن يكون ما حكاه من أمر النشأة الثانية شيئًا سمعه من أحياهم قبل أن يتغير رأيه فيهم ويكون منه ما كان وبالله التوفيق

وأيضًا فإن في أشعار العرب في الجاهلية قولا يثبت المعاد يوم الحساب، فقال زهير بن أبي سلمى في قصيدته المعروفة:

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفى فمهما تكتم، الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

ليوم الحساب أم يعجل فينقم وليس يمكن أن يكون زهير أخذ عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لأنه سبق أيامه، فصح أنه أخذ عمن يقدمه، وإن علم العباد كان خاشيًا عندهم والله أعلم.

وأما قول المعترض في المواعيد العاجلة، فجوابه: أن المواعيد العاجلة أدل به على صدق الوعد لأنه ما لم يبق عن نفسه الثقة التامة بأنه صادق مصدق لا يقدم على أن يعد الناس على اتباعه، ويوعدهم على خلافة مواعيد عاجلة ويصرف لنا مواقيتًا معلومة لأنه لا يأمن أن وقع فيها قال خلف: أن ينتهك ستره ويعامل ما يعامل به الكذابون المزورون.

ولما كانت الدعاة إلى الله - عز وجل - المتقدمون فعلوا ذلك صح أنهم كانوا مسبقين لصدق أنفسهم، فلا يمكن أن يكون اليقين وأفعالهم للأمر قبل إخبار الله تعالى وإياهم بما أخبروا به قومهم، فثبت بذلك أحقاقهم ولم يجز بعد ذلك أن يتأول عليهم ما تأوله المعترض من أنهم قدروا في أنفسهم أن خلفا إن وقع في ميعادهم له علة، فإنا قد بينا أن ذلك غير ممكن أن يكون منهم مع قطعهم بما ذكروا أنه كان بعينه وقت تنبئه بعينه، وإنما يصلح طلب العلة لمن وعد خيرًا منها أو وعد شيء منها لا في وقت بعينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت