فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 1140

وقال جل ثناؤه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} .

وقال جل ثناؤه: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ، أي لو كان من حقه أن لا يستقر بل يتصدع من خشية الله فكتب لا تراه إن رأيته إلا متصدعًا، فكيف بقلب المؤمن الذي هو ألين من الجبل أنه بالخوف والخشية والتهيب والرهبة أولى وأحق.

ويحتمل أم يكون المعنى.

أن قلب الكافر الذي إنما هو كمضخة لحم ليس بلين لقبول مواعظ القرآن ولا لتبين إعجازه وما فيه من صدوف حجج الله على عباده، أي فقد كان بأن يخشع أولى من الضجر لولا أن الشقي لا ينقلب سعيدًا، والخبيث لا يتبدل طيبًا، وما ذكرنا في هذا الفصل فلا يكاد يخفي وجهه، لأن الرهبة من الله تعالى وإن كان حقها أم لا يلزم المؤمن دائمًا، فإنها عند تجدد العهد بسماع الوحي، والوعد والوعيد، أحق وأخلق.

ولهذ كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - يبكي إذا قرأ بالليل في صلاته حتى يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان إذا مر بآية رحمة سأل الله رحمته، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله من عذابه، فكذلك ينبغي للمؤمن سواه أن يكونوا هم أولى بذلك منه إذا كان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانوا من أمرهم على خطر ـ وبالله التوفيق ـ لما يرضيه والعياذ مما يسخطه أنه أولى للأمرين ومالكهما برحمته.

ومنها إساءة الظن من كل أحد بنفسه حتى لا يظن في حال قط إلا أنه مقصر في حق الله تعالى جل جلاله وغير موف حق العبودية كما يلزمه، وإن كان مؤديًا للفرائض غير مخل بها أمرها وتهتكًا لا تبدو طاعة ولا مواقع معصية، وذلك أن يعتقد أن ما كلفه الله - عز وجل - إذا كان لا يستغرب وسعه ولا يستنفذ طرفه.

وكان الله - عز وجل - خلقه لعبده، فهو إذا أبقى عليه كثيرًا من حقه، ثم أنه إذا كان أمره أن يعبده بما يثبه له وفضله على شرط الأخلاص، فقال: {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وكان لا يصلي إلا وما في قلبه من أشغال الدنيا أكثر من شغل الصلاة، أو لا يخلو من إختلاطها به، ولعله مع ذلك يرابي، ويتصنع ولا يزكي إلا من جزاء الدفع، مما طلا ثم متساهلًا بنفسه فيما يعطي وفيمن يعطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت