فهرس الكتاب
فلما رزقوا الإسلام بمجيء الرسول - صلى الله عليه وسلّم - ودخلوا في طاعته، نالوا الأمن ووجدوا رفاهية العيش ولذة الحياة، وسلم لكل أحد زوجه وبدنه وعرضه وماله، مما أرسله الله تعالى به من الأمر والنهي.
وشرع على لسانه من الحدود الرادعة عن الظلم والعدوان، المانعة من الفسوق والعصيان، فكانت نعمته جل جلاله عليهم بمكانه أعظم من نعمة الوالدين اللذين لم يكونا إلا سبب الوجود، ولئن علما وأذنا وراضا ونصرا، فبأمره - صلى الله عليه وسلّم - وبحب شريعته ومنهاجه، ولهذا جعل الله منزلته من أمته فوق منزلة الوالد.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «أولى بالمؤمنين من أنفسهم» وجعل أزواجه كالأمهات لهم.
وكانت بركاته على أمته أعظم من بركة رجل يأتي إلى قوم في فلاة مسبعة لا يؤمن شرها ولا يهتدي إلى الخروج منها، فيرشدهم إلى طريق ويعرفهم وجوه الاحتراز من تلك السباع، ويقوم عليهم أحسن القيام حتى يأمنوا ويخرجوا منها سالمين.
ومعلوم أن من كان يمثل هذه المعونة لم ير أن حقه يقضي، وأن تنكره يؤذي، فالنبي - صلى الله عليه وسلّم - إنما أرسل الناس إلى ما يسلمون به في الدنيا من غوائل الشيطان وشرور أنفسهم الأمارة بالسوء في الآخرة من الخلود في النيران، فإن كان حب من يوالي ويحب يتبع مواضيع فضله ومواقع نفعه، فلا أحد ينظر النظر الذي وصفنا إلا ويحب النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، أكثر من حبه لنفسه وأبيه وأمه، ويعلم أن ذلك وإن بالغ فيه دون حقه وبالله التوفيق.
وأما بيانه وفصاحته فأشهر وأظهر من أن نحتاج إلى وصفه، ولو لم يكن على ذلك دلالة سوى أن الله تعالى نصبه منصب البيان لكتابه فقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} ليبين للناس كتابه والكشف عن معاني خطابه.
وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه سئل عن سحائب مرت أحقًا أم وميضًا أم يستق سقاء.
فقالوا: اسق سقاء.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «جاء الحياء، وإن القوم قالوا: ما أفصحك يا رسول الله.
قال: حق لي، وإنما أنزل القرآن بلساني».
ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى ما جاء أن القرآن نزل بلغة قريش، إني كنت قرشيًا، ولغة قريش أفصح اللغات وكذلك نزل القرآن بها فحق إلي أن أكون فصيحًا وإذا تتبع ما في كتبه ومحاوراته من الألفاظ الجزلة، وجدت كثيرة، فمنها كتابه لوائل بن حجر الخضرمي:
«من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لما بالتبعوه شاة والنتمة لصاحبها، وفي السبوب الخس لا خلاط ولا وراط ولا ساق ولا شغار ومن اجتبى فقد أوتي وكل مسكر حرام» فالأقيال الملوك دون الملك الأعظم، والعباهلة المجلون، والتبعوه الأربعون من الغنم، والنتمة الشاة التي تقتن في البيت فتعلف والسبوب جمع السبب وهو العطية، والمراد به في هذا الموضع الزكاة وقوله: «لا خلاط ولا وراط» لقوله: «لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع» .
والوراط الخديعة والفتن.
وقوله: «لا يعارض رب المال في السيق» وهو ما بين الفريضتين.
والشغار لا يزوج بنته أو أخته الرجل على أن يزوجه الآخر بنته أو أخته، على أن كل واحد منهما صداق الآخر.
ومن اجتبى فقد أوتي الأضابيع الحرب قبل أن يبدو إصلاحه.