فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 1140

وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل، ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» .

وأنه امتنع من الخروج في الليلة الثالثة من شهر رمضان لما كثر الناس وقال: «خفت أن أخرج عليكم فلا ترعوا الحق برعايته، فتصروا في استحباب الذم أسوة من قبلكم» وهذا كله رأفة ورحمة - صلى الله عليه وسلّم -، وجزاه عنا أفضل جزاء، رسولًا نبيًا عن أمته، وسمى الله تعالى نبينا في كتابه {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} وذلك على معنى.

أخرج الناس به من ظلمات الكفر والطغيان إلى نور الهدى والبنيان كما قال عز وجل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .

وقال: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} .

وقد علم تعالى أنه إنما فعل ذلك كله وغيره على لسان النبي - صلى الله عليه وسلّم - ومما وقفه له من البلاغ وحبه وحث الناس على اتباعه وزجرهم عن مخالفته ومقاساته الشدائد في نظم العرب عما كانوا ألفوه في الجاهلية الجهلاء عن سفك الدماء وقطع الأرحام وسلب الأعراض ونهب الأموال.

وحملهم على شريعة أيسر الشرائع كلفًا، وأخفها محملًا، وأبعدها من الأصفاد والأغلال.

التي هي على من تقدمهم من غير أن يسألهم على أمر من أمورهم في حال أجرًا، أو ألزمهم لنفسه مؤونة.

إنما قطع الله تعالى له من مال المشركين ما قطع، ومنعه من مال المسلمين ما صنع، لئلا تكون يده ولا نفسه الشريفة محمل منَّه، ولا موضع ظهره.

فإذا تأمل العاقل مواقع الخيرات التي ساقها الله تعالى إلى عباده بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - في الدنيا، وما هو سائقه إليهم بفضله من شفاعته لهم في الآخرة علم أنه لا حق بعد حقوق الله تعالى أوجب من حق النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه ألزم لكل أحد من أمته من حق أبويه لم يكونا إلا سبب كونه ووجوده.

والنبي - صلى الله عليه وسلّم - كان سبب انتفاعه بنفسه وحياته وعقله وسمعه وبصره وجميع أعضائه وجوارحه، والزمان الذي يحويه، ألا ترى أن الذين لم يرزقوا شرف الإيمان به، كيف دعوا صمًا بكمًا عميًا، وقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} وسبب سلامة روحه وبدنه وأهله وولده وماله.

فإن الناس عند استيلاء الكفر عليهم، كانوا متمازجين تمازج السباع وقوامها عن عزيز، ومن فكر بتلك لا آمن لأحد منهم على نفس ولا عرض ولا مال ولا ولد ولا أهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت