فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1140

وقال سعد بن هشام: قلت لعائشة رضي الله عنها، أخبريني عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى.

قالت: إنه كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -.

قال بعض العلماء: المعنى شاهدًا أن خلقه كان ما أمر الله تعالى في القرآن من الاجتهاد في طاعته والخضوع له والانقياد لأمره والتشدد على أعدائه، والتواضع لأوليائه ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم والحرص على نجاتهم، الاحتمال لأذاهم والقيام على مصالحهم وإرشادهم إلى ما يجمع خير الدارين لهم، والحلم على جهالهم وخفض الجناح لهم، والتعفف عن أموالهم.

لم يتغير في حال من الأحوال، ولا زمن من الأزمان عن ذلك، ولم يؤخذ خلق محمود إلا وهو أول الناس حظًا منه، ولا خلق مذموم إلا وهو أبعد الناس عنه.

وفي بعض الروايات أن عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان خلقه القرآن.

قرأت العشر الآيات من أول سورة المؤمن إن كان خلقه على ما ذكر في هذه السورة.

وأبين من هذا أنه إذا حيل بيان خلقه على القرآن أن يقال: كان في خلافه وما جمله الله بقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

وقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} وما يشبه هذه الآية ويلتحق بها من معانيها.

ومن رغب في الزيادة على ما أوردت في هذا الفصل من حال الرسول المصطفى - صلى الله عليه وسلّم - في حسن خلقه وخلقه، فلينظر فيما ألف من شمائله وفضائله ليصل بها إلى أقصى غرضه إن شاء الله.

وأما حدبه على أمته - صلى الله عليه وسلّم - ورأفته بهم فإن الله تعالى يبين بقوله: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} .

وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لم يكن لنبي إلا كانت له دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي شفاعة» .

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «أنه ضحى بكبشين فقال في أولهما: اللهم عن محمد وآل محمد.

وقال في آخرهما: اللهم عن محمد، ومن لم يضح من أمة محمد».

وهذا أبلغ ما يكون من البر الشفقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت