فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 1140

وقال: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} فأعلمهم أن نفس الرسول - صلى الله عليه وسلّم - أكرم وأشرف وأزكى وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عما لا يصرفوا نفسه عنه، فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر أو طول طريق أو عوز ماء أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضاها لنفسه.

وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره وبالله التوفيق.

وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} .

فنهاهم عن أن يعاملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالتوسع في الانبساط والاسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقي، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام يعلمون لم يدرك عجلوا إليه وأحاطوا به منتظرين إدراكه، وإذا أحضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - قد يتأذى به ويستحي أن يكلمهم، ونهاهم أن يتباسطوا نساءهم، فيدفعوا إليهن شيئًا ويأخذوا منهن شيئًا، ناظرين إليهن كما يفعل ذلك بعضهم في بيت بعض عند اتساع الخلطة وتأكد الثقة، ثم أكد ذلك كله فقال عز وجل: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا} فأعلمهم أن كل ما يتأذى به رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - من قول أو فعل فهو حرام عليهم، وليس بمملوك لهم في حياته وبعد وفاته، وكما لا يحل لهم أن يفعلوا في حياته ما يتأذى به، فكذلك ليس لهم أن يفعلوا بعد وفاته ما لو أعلم في حياته أنهم فاعلوه بعده، لتأذى به وشق عليه نحو تزوج نسائه من بعده.

وهذا ليعلموا أنه لا رخصة لهم بحال من الأحوال في إيذائه وتعاطي ما يشق عليه، وإن إرضاءه وتعظيمه وبوحي من أبهته هو الملازم لهم والواجب عليهم، ليكونوا مؤمنين به كما يقولون وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت