وقال عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
والمعنى لا تقدموا قولًا أو فعلًا بين يدي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وفعله فيما سبيله أن يأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلي بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في ذلك بما يراه.
فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله - عز وجل - إذا كان رسوله لا يقضي إلا عنه، واتقوا الله أي واحذروا عقابه بتقدمكم بين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به ومخالفة شيء مما يأمركم به عن الله بوحي متلو أو غير متلو {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله - صلى الله عليه وسلّم -، أو يأتونه اقتداء به واتباعًا له عليهم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك، فهو يجزيه بما سمعه ويعلمه منكم.
وروي في نزول هذه الآية آثار منها: أن ناسًا ذبحوا يوم النحر قبل نبي الله - صلى الله عليه وسلّم -، فكره ذلك.
ومنها أن رجلًا صام في يوم شك، فقالت عائشة رضي الله عنها: لا يفعل فإنهم كانوا يرون أن هذه الآية نزلت فيه.
ومنها أن ذلك في القتال.
وقال الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} .
فنهاهم الله - عز وجل - أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ويخرجوا عن مكالمته من خبر الاستماع إلى الجهر، لأن ذلك في العادات غض من المخاطب واستخفاف بقدره وضرب من الاستعلاء عليه، كما أن خفض الصوت تذلل ورعاية لحقه وإكبار لقدره.
ثم حذرهم أشد التحذير من فعل ما نهاهم عنه، فقال: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} وذلك بأن يستقر أحدهم أمر غده في نفسه فيقول: وماذا علي إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فلم لا أبلغ ما في نفسي فيختلط ويرفع صوته إلى صدا أن يعلن فيلزمه حكم الاستحقاق والتهاون برسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فيكفر ويحبط عمله، وهو لما فيه غافل على أمره، ولا يشعر أنه كفر وحبط عمله.
وهذا أبلغ ما يكون من الأمر بتعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إذا كان الأمر بجميع ما ذكرنا مقبحات، والناس باسم الإيمان بينهما لهم به على أنهم إن كانوا مؤمنين فمن الإيمان أن يكونوا بهذه الصفات دون ما يخالفها والله أعلم.