ثم قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} فأخبر أن الذين يأتمرون ما أمروا به، وينهون مما نهوا عنه، هم قوم امتحن قلوبهم للتقوى، أن جعل الله ما أورد على قلوبهم من هذا الغرض اختبارًا لهم لتظهر منهم التقوى التي علم أنها هي التي تكون منهم إذا اختبروا، فيغفر لهم ما أسلفوه من رفع الأصوات وغيره من الذنوب، ويأجرهم أجرًا لا يشاكل ثواب أعمال الآدميين، لكنه يكون نعيمًا مقيمًا لا يزول ولا يبيد.
ثم قال الله عز وجل: {إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيسلي نبيه - صلى الله عليه وسلّم - بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذلك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون، إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك إلى أن يهدى إليه، وفيهم من لا يهتدي وإن هدى ولا يستنصرون.
وإن يصروا فهذا يجمع تركة القوم وقسامة النبي - صلى الله عليه وسلّم -.
ثم روى الأقرع بن حابس وعليه ومن جاء معهم، جاءوا شفعاء في أسارى بعيرهم الذين نادوه فقالوا: أخرج إلينا يا محمد، فنزلت هذه الآية وروي أن وفد بني تميم وهم يسمعون رجلًا منهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم هم الذين نادوه والله أعلم.
ولما وقع من هؤلاء ما وقع ونزل من هذه الآثار ما نزل، روي أنه كان إذا قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وفد أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلّم - ويكلمونه ويأمرهم بالسكينة والوقار عنده.
وهذا والله أعلم غير محمول على الزهو والبذخ، ولكن في تعظيمه النبوة التي يرجع تعظيمها إلى الله عز وجل، وتركه أن يقتضي في حقها، فيكون مقتضيًا حق الله تعالى لا حق نفسه.
وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال له لما نزلت هذه الآية: والذي بعثك بالحق لأكلمنك إلا كأخي السرار.
وأن ثابت بن قيس بن شماس دخل بيته وقعد يبكي وقال: أخاف أن يكون قد حبط عملي، فإني رجل صيت، أرفع صوتي فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلّم -، إلى أن بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - خبره، فأخرجه وأعلمه أنه ليس منهم وبشره بالجنة، فقتل بعد ذلك شهيدًا.