ومن تعظيم الله جل جلاله وتعظيم رسوله - صلى الله عليه وسلّم - أن لا يحمل على مصحف القرآن، ولا على جوامع السنن كتاب ولا شيء من متاع البيت ما كان.
وأن ينفض الغبار عنه إذا أصابه، وأن لا يمس أحد يده من طعام ولا غيره بورقة فيها ذكر الله أو ذكر رسوله - صلى الله عليه وسلّم - ولا يمزقها تمزيقًا، ولكنه إذا كان له تعطيلها فليغسلها بالماء حتى تذهب الكتابة منها، وإن أحرقها بالنار، ولكنه إن كان له بتعطيلها فليغسلها فلا بأس، أحرق عثمان رضي الله عنه مصاحف كانت فيها آيات وقراءات منسوخة، ولم ينكر ذلك عليه أحد والله أعلم.
ومن هذا الباب لا يكسر درهم فيه اسم الله أو اسم رسوله - صلى الله عليه وسلّم -، فقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من يائس واليائس أن يكون رابها فجلس لئلا يعثر به مسلم.
ووجه النهي عن الكسر أنه كتمزيق الورقة التي فيها ذكر الله تعالى، وذكر رسوله - صلى الله عليه وسلّم -، إذا كانت الحروف تنقطع والكلم يتفرق، وفي ذلك ازدراء بقدر المكتوب، ومتى كسر لعذر فإنما أتم الكسر على ضاربه كاسره، لأنه هو الذي غير ودلس فأحوج إلى الكسر لإظهار ما أسر والله أعلم.
ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلّم - أولاد المهاجرين والأنصار، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «قدموا قريشًا ولا تقدموها» وما ذلك إلا أنه - صلى الله عليه وسلّم - منهم، فإذا أوجبت التقدمة لفرقتين كانت لبني هاشم أوجب، لأنه أحق به من قريش ثم الأقرب فالأقرب.
ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلّم: «فاطمة نطفة مني، من أذاها فقد أذاني» فكل ذي سبب خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فإذا وجبت أن تعرف منهم خصوصية ويرعى له نسبه منه حرمته وبالله التوفيق.
ومما يتصل بهذا الباب تعظيم العرب وإجلالهم لأنه - صلى الله عليه وسلّم - عربي.
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم: «إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فيحبني أحبهم، ومن أبغض العرب فيبغضني أبغضهم» .
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من سب العرب فأولئك المشركون، فلا ينبغي لأحد أن يطلق لسانه بتفضيل العجم على العرب» فصار فرضًا على الناس بأن يتعلموا لغة العرب، وإن كان ذلك من فروض الكفاية ليغفلوا عن الله - عز وجل - أمره ونهيه ووعده ووعيده ويفهموا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بيانه وتبليغه، وحكم بأن الأئمة من قريش، فلا يمكن أن يكون إمام المسلمين إلا عربيًا، ونزع أيدي الأعاجم من المماليك، فأبطل أن يكونوا إلا أذنابًا لا رؤساء، وبعلهم رقيقًا وحولًا للعرب، ولم يجعل العرب حولًا لغيرهم لكنه صانهم عن جريان الرق غلًا لأقدارهم، ودلالة في الفضل على مكانهم، لأن الله تبارك وتعالى لم يكن ليختار لرسله إلا أفضل الأوصاف، فلما كان الناس عربًا وغير عرب، فجعل أفضل رسله العرب، علمنا أنه إنما فضل ذلك لأنه أبهى وأعلى لقدره تفضيل العرب من سواهم، كما أنه لما جعله من أهل حرمه، علمنا بذلك أنه أراد أن يكون ذلك أعظم لحرمته لفضل الحرم على من سواه.