ومنها: أن الله - عز وجل - قدم العجم على العرب لما ذكر الفريقين فقال: «أعجمي وعربي» فدل ذلك على اللغة العربية، فروى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إن الله تبارك وتعالى إذا تكلم بالرضى تكلم بالفارسية وإذا تكلم بالغضب تكلم بالعربية» ، وعن علي بن ربيعة الوابلي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إذا أراد الله أن يرسل الرحمة على قوم أرسلها مع ميكائيل بلسان فارسي، وإذا أراد الله أن يرسل على قوم البلاء أرسله مع جبريل بلسان عربي» .
وعن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «حملة العرش يتكلمون بالفارسية الدرية» .
قالوا: فإن أبيتم وقلتم: كلا، إن اللغة العربية أفضل اللغات قلنا: فليكن كذلك إذا تعلمها الأعجمي وصار يتكلم بها، فما فضل العربي عليه بها؟ قالوا: وقد روى أبو عبيدة الناجي عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إنما العربية لغة، فمن نطق بها فهو عربي» .
ومنها: أن العرب آذت النبي - صلى الله عليه وسلّم - حيًا وميتًا، لأنهم أضروه إلى مفارقة بلده والمهاجرة منها إلى غيره، بعد أن هموا بقتله، فلما لم يتفق لهم ما أرادوه، تحالفوا على أن لا يخالطوا بني هاشم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم، وكان منهم ما كان، ثم ناصبوه القتال بعد الهجرة وقتلوا عمه وكثيرًا من قرابته وكسروا رباعيته، ودموا وجهه، وقصدوا بعد موته إلى نقل الخلافة عن أهل بيته، وأعانوا على قتل أولاده، ثم كانت الأعاجم هي التي انتقمت أو انتصرت لقرابته حتى أعادوا الأمن إليهم، وأقروه فيهم، وكتب الأخبار تنطق بذلك مشروحًا مفصلًا، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع متأملًا إليها.
ومنها: أنهم يعيرون العرب بالمساوئ المنقولة عنهم وما كانوا عليه، ومن الجاهلية من السفاح الفاحش الذي لم يكن يتحاشاه رجالهم ونساؤهم، فكانوا يستكسبون فيه آباءهم، وينصبون للحرائر على أبوابها رايات يعرفن بها، وتعرف الواحدة منهن برجال، فإذا ولدت غلب على المولود أقواهم وأعزهم حتى افتخر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بأن الله تعالى أخرجه من صلب آدم إلى أن وضعته أمه من نكاح لا من سفاح، عصمة له من ألواث الجاهلية.
ويتجاوزون هذا إلى أن نعيرهم بالفقر والفاقة وشدة البؤس والحاجة، وأكلهم الحشرات والهوام والدماء، ثم الفخر عليهم بما أسنده ملوك الأعاجم إليهم، وبأنهم كانوا إلى وقت النبي - صلى الله عليه وسلّم - تحت أيديهم، لا يسبون عليهم ولا يستوي لهم إلا طاعتهم والانقياد لهم في غير ذلك مما يشبه هذا.
ونعني إجماله عن تفضيله.