وأما تعلم القرآن فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» قال أبو عبد الرحمن السلمي، وذلك أقعدني هذا المقعد، وكان علم القرآن من زمن عثمان رضي الله عنه إلى زمن الحجاج.
وأيضًا فإن تعلم القرآن أمانة على الدين، فهو كتلقين الكافر الشهادة ليسلم.
وأيضًا فإن تعليم معاني القرآن من لا يحسنه، بر وقربة لمن يحسنه، فتعلم القرآن نفسه أولى أن يكون ذلك.
وأيضًا فإن علم القرآن فضل وتعليمه من لا يحسنه إفادة من المعلم إياه الفضل الذي عنده، فلا يجوز أن يختلف ذلك عن إعطاء الغني الفقير وإشباع الجائع، وكسوة العريان وكل ذلك مما إذا جعل لوجه الله تعالى كان برًا وقربة، ولذلك تعليم القرآن والسنن والله أعلم.
وإنما استيقن الناس لمعلمين لمعنيين: أحدهما أنهم يقصرون أيامهم على معاشرة الصبيان الذين لا عقول لهم، فإذا فارقوهم خلوا بنسائهم وذراريهم، فيؤثر ذلك على تطاول الأيام في عقولهم وبصيرتها، وينقبض منها.
كما أن من عاشر العلماء والحكماء والفضلاء، ولم يكن يخالط غيرهم ازداد بذلك عقله، وقويت بصيرته.
ونبل رأيه.
وأما أبو عبد الرحمن السلمي وأشباهه فلم يكونوا بهذه الصفة، وإنما كان الواحد يأتيهم فيلقنونه آيات فيأخذها وينصرف فلا يمنعهم ذلك من غشيان مجالس الكبر والاختلاط بهم والاستفادة منهم، ولا يتضررون بالتعليم تضرر من ذكرنا.
والوجه الآخر: أن المعلمين لما أرصدوا أنفسهم لتعليم الصبيان ابتغوا عليه الأجعال، ولما كثروا صار كل واحد منهم يرضى عن العمل الكبير والشغل الطويل بالجعل اليسير، خيفة أنه لم يجب إلى التعليم بما يراود عنه من الجعل الطفيف، إنابة لصاحبه، وصاروا مع ذلك يطمعون في أطعمة الصبيان ليغالبونهم عليها، ويحملهم الشره على ضروب من التذلل، ومن رضي بمثلها لنفسه لم يوقر ولم يبجل، فإنما أوتوا من هذا الوجه، لا من تعليم القرآن.
فإن نفس التعليم توجب التفضيل والتشريف وتحرم التحقير والتصغير، ومن استحقر معلمًا لأجل تعليمه خيف عليه، فقد بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه لتعليم النبي - صلى الله عليه وسلّم - القرآن، وقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} وما تعلم أول من تعلم من الأمة إلا من النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فكيف يجوز لأحد أن يترفع عن تعليمه أو يستحقر من يتصدى للتعليم وقد كان الأولون الذين ذكرنا، أنهم كانوا يعلمون القرآن بمعزل عن هذه الرذائل، كما كانوا بمعزل عما وصفنا قبل من الشمائل، فلذلك استحقوا المدح والثناء، رضي الله عنهم وغفر لهم.