ثم يقال له: فإذا احتاج إلى القبول! فقيل: أما أن يكون ذلك إيمانًا منه، فإذا قال ذلك، يكون إيمانًا منه.
قيل له: كيف وقد سبق الإيمان قبل أن يكون هذا الشرع، وإذا أجزت أن يكون الإيمان بائنًا موجودًا ثم يشرع ما يكون قبوله إيمانًا، فيكون ذلك إيمانًا على إيمان، فلم لا أجزت أن يشرع ما يكون العمل به إيمانًا، فيكون إيمانًا على إيمان، وبالله التوفيق.
قال هذا القائل: وإنما ميز الله تعالى بين الإيمان والعمل، ليتقدم الإيمان متجردًا عن كل عمل إلى أن شرعت الأعمال وأنزلت الفرائض والحدود، فقال {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} ففرق بين الإيمان والأعمال الصالحة! فيقال له: أرأيت إن لم تكن الأعمال الصالحة إيمانًا! أتقول: إن الإيمان من الأعمال الصالحة؟ فلا بد من نعم؟ فيقال له: فقد ميز الله بينهما، فإن أجاز مع هذا التمييز أن يكون الإيمان من الأعمال الصالحة، فلم لا جاز أن تكون الأعمال الصالحة من الإيمان؟
ويقال له: ما أنكرت أن معنى الآية: إن الذين آمنوا بألسنتهم، وعملوا سائر الطاعات بعامة جوارحهم فكانوا مؤمنين مستكملي الإيمان، وإنما أفرد الإيمان من الصالحات لأنه أراه الإيمان باللسان بعد رسوخه في القلب ولو أراد الإيمان المطلق لكان في ذكر الإيمان كفاية عن ذكر الصالحات، وإذا كان هذا مما تحتمله الآية وجب حملها عليه للدليل الذي سبق ذكره والله أعلم.
قال هذا القائل: ويدل على اختلاف الإيمان والأعمال، إنك تجد الناس متفاضلين في الأعمال، ولا تجدهم متقاربين في الإيمان، وتفاضل في الدين، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلّم - ذلك نصًا، حيث أخبر أن جلوس المرأة نصف دهرها لا تصلي نقصان، فكيف يجوز مع هذا أن يقال: الناس يتفاضلون في العمل، ليسوا بمتفاضلين في الدين؟
قال القائل: فإن الله - عز وجل - شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} فكان الدين يستوي فيه المتقدمون والمتأخرون والملائكة والنبيون والإنس والجان، وهو التوحيد.
ثم كانت شرائع الأنبياء عليهم السلام من الاختلاف بحيث لا يخفى، فدل ذلك على أنها شرائع الدين.
وأما الدين فهو ما لم يختلفوا فيه.
فيقال له: أخبرنا عن قبول الشرائع إذا شرعت أهو إيمان؟ فإذا قال: نعم! قيل له: فهل كان على الأنبياء أن يقبل بعضهم شرع بعض مع تفرق أزمانهم وتباعد أعصارهم فلا بد من لا، فيقال له: فإن جاز أن يتباينوا وأممهم، فما يلزمهم من قبول الشرائع، ولا يلزم كل واحد أن لا يقبل على نفسه إلا ما شرع له إذا كان نبيًا، أو ما شرع لنبيه إن كان من إحدى الأمم، ثم يكون القبول إيمانًا ودينًا، لم لا جاز أن يتباينوا وأممهم في الإيمان التي هي الشرائع، وتكون الشرائع إيمانًا ودينًا.
فإن قال: إن شرائعهم ـ وإن اختلفت ـ فقبول الشريعة معنى واحد، وليست بمعان في الكثرة والاختلاف.
فإن كانا ففي المقبول لا في القبول!