فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 1140

قيل له: فما أنكرت أن العمل بالشريعة معنى واحد وليس بمعان، فالكثرة والاختلاف إن كانا ففي المعمول لا في العمل! ويقال له: أخبرنا عن تصديق الأنبياء، إيمان أو غير إيمان؟ فإذا قال ذلك قيل له: أليس على كل متأخر من الأنبياء أن يؤمن بالأنبياء الذين تقدموه، فأما المتقدمون فليس عليهم من المتأخرين فرض إيمان إلا أن يكون أحدهم أخبر أن نبيًا كان بعده، فيكون عليه الإيمان بأنه نبي، فأما الإيمان بأنه نبي فأنكر إذا كان هذا هكذا، فقد اختلف حالهم في ذلك فكان على بعضهم من الفرض فيه مالم يكن على غيره وذلك لا يدل لى أن الشرائع ليست من الإيمان والدين.

ويقال له: ما أنكرت أن الدين هو الطاعة، ومعنى الآية: شرع لكم من إلزامكم الطاعة ما شرع لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبيكم - صلى الله عليه وسلّم - وعليهم، أي أنه لم يرض من أحد من عباده أن يعصيه في أوامره ونواهيه، بل أخذ الأنبياء عامة وأممهم بطاعته واتباع أوامره، فلذلك ألزمهم طاعته، لم يرخص لهم في خلافها، وليس بقابل منكم غيرها، فأقيموا الطلق أي الطاعة فلا تتفرقوا، وليس في هذا ما يوجب اختلافًا بين المتقدمين والمتأخرين في الدين، لأن وجوب الطاعة يشملهم، وإن كان ما تجب الطاعة فيه متفرقًا، والأعمال لم تكن إيمانًا عندنا لأعيانها، حتى إذا كانت مختلفة أوجب ذلك اختلاف الإيمان وتفرق الدين وإنما كانت إيمانًا لأنها طاعات، فإذا كان معنى الطاعة تجمعها، فقد وجد الاتفاق في دين الجميع والله أعلم.

ثم إن قوله عز وجل: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} يدخل في جملته أن لا تتفرقوا في الدين، فيكون من بعضهم الطاعة ومن بعضهم خلافها.

فأما إقامة الطاعة ممن يقيمها لا ينفع إلا نفسه دون من وجد منهم خلافًا، ويدخل فيه أن لا يختلفوا فيه.

فيقول بعضهم لشيء من الطاعات هذا خارج من الدين الذي تعبدنا به، فإن الدين هو الطاعة، فإذا شرع والله أعلم.

قال القائل: وقد يكون في الناس من لا علم له بالفرائض وهو مع ذلك يسمى مؤمنًا، ولو لم يعلم ما يلزمه الإقرار به لم يكن مؤمنًا، وإنما في هذا ما يبين اختلاف الإقرار والعمل.

فيقال له: وفي الناس من لا علم له بالتوحيد، وأنت تسميه مؤمنًا مثل الصبي المولود بين المسلمين، والمجنون ـ صغيرًا كان أو كبيرًا ـ إذا كان مولودًا بين المسلمين، ولا يدل ذلك على أن التوحيد ليس بإيمان، فكذلك الصغير المؤمن إذا بلغ ولم يعلم بلوغ نفسه أو لم يخطر وجود التوحيد في قلبه فهو مؤمن، ولا يدل على أن التوحيد ليس بإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت