فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 1140

ويقال له: زعمت أن هذه الآية عبارة عن الاعتقاد، وذلك يلزمك أن يخرج الإقرار من جملة الإيمان، لأن الله جل وعز جعلهم بزعمك مؤمنين بالاعتقاد، فإن جاز مع ذلك أن يضم الإقرار إلى الاعتقاد ـ وليس ذلك بزعمك في الآية ـ لم لا جاز لغيرك أن تضم العبارات إلى الاعتقاد، وإن لم يكن في الآية على أن معنى الآية: والمؤمنون كلهم قالوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله.

والدليل على ذلك أنه قد وصل بهذا قوله {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} .

وهذا لا يليق إلا أن يكون كلام المؤمنين ولو لم يكن تقدير قوله جل وعز: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} .

ولم يفرقوا بين أحد من رسله.

فلما قيل: {لاَ نُفَرِّقُ} ذلك على أن تقدير الحكاية ما وضعت، وفي ذلك ما يوجب أن يكون اختصاص الإقرار بالآية أشبه من اختصاص الاعتقاد، وبالله التوفيق.

قال الرجل: وأمرهم بعد صحة الاعتقاد أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان والإسلام، لقوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فمدح من شهد بذلك لنفسه، فقال تبارك وتعالى: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} .

فأخبر بأنهم يصيرون بهذا مؤمنين، لقوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ} .

وهذا كله راجع إلى التصديق دون غيره من الأفعال، فثبت أنه الإيمان لا غير، فقال له في قوله «أمرهم بعد صحة الاعتقاد أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان» من أين قلت هذا؟ فإن ادعى أنه قاله، إن هذه الآية مرتبة على الآية التي بدأ بذكرها، وأن تلك في الاعتقاد، وهذه في الإقرار، طولب بالحجة في ما تدعيه من ذلك، ولن تجد إليه سبيلًا، وإن لح في إثبات أن الإقرار يترتب على الاعتقاد، بدليل آخر، قبل في ذلك منه.

وقيل لهم: إن الله تعالى يأمرهم أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان، فإن الإيمان فرض لله تعالى على عباده، فإذا التزموه فإنما يشهدون به على أنفسهم، كما قال جل وعز: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ولا يشهدون به لأنفسهم، بل لله تعالى ينبغي أن يشهد به لهم، ليعلموا أنه قد يقبل منهم.

وإذا بطل هذا، فالجواب: ـ وبالله التوفيق ـ أنه أمرهم أن يصفوا إيمانهم لخصومهم، وهم اليهود والنصارى، ويعلموهم أن إيمانهم: محمد - صلى الله عليه وسلّم - قصد إلى شقاقهم وخلافهم، لكن لأنه نبي، والتفريق بين أنبياء الله ورسله في الإيمان بهم غير جائز، فإنهم قد آمنوا بعيسى وموسى ولم يمنعهم من الإيمان بهما، إنهم لا يؤمنون بنبيهم، فلو كان القصد إلى الشقاق دون التدوين لم يكن منهم هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت