ثم قال: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ} أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم يفرقوا، فقد اهتدوا، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن التدبر إلى الشقاق، فسيكفيهم الله وهو السميع العليم.
فهذا معنى الآية، وليس فيها بيان أن الإيمان الذي أمروا به أن يصفوا به أنفسهم، فإذا كان وما حده؟ وما حقيقته؟ وإذا كانت هذه الآية خطابًا لقوم قد اعتقدوا الحق وأقروا به، وصلوا وصاموا وعبدوا الله تعالى بضروب من العبادات، وقابلوا أوامره ونواهيه بالطاعة، فهم إذا قالوا آمنا بالله وما أنزل إلينا اشتمل ذلك عندنا على كل طاعة وجدت منهم إلى ذلك الوقت.
فإن خالفنا الرجل في ذلك وقال: إنه لا يشتمل إلا على الإقرار والاعتقاد، فلهم على قوله دليل، فإنا له فيما قال مخالفون، وله بالدلالة عليه مطالبون.
فإن قال القائل على ذلك، إنه جل وعز قال: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ} .
ومعلوم أنهم لو شهدوا شهادتي الحق لكانوا مؤمنين مهتدين، فظهر بذلك أنه لم يدخل في قوله عز وجل: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ} إلا شهادة الحق.
قيل لهم: إنما يكونوا مهتدين إذا أدوا ما عليهم، إلا أنهم إن شهدوا شهادتي الحق، لم يتراكم عليهم في ذلك الفوز الفرائض كلها، وإنما تجب شيئًا فشيئًا.
فإذا أدوا في أول أوقات دخولهم في زمن الحق ما عليهم في ذلك الفوز، فقد اهتدوا، كما أن المؤمنين الذين أمروا أن يقولوا آمنا لما كانوا مؤدين ما عليهم كانوا مهتدين، وصح منهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا، والله أعلم.
وجواب آخر: وهو أنا لو سلمنا له أن قول الله عز وجل: {قُولُواْ آمَنَّا} إشارة إلى اعتقادهم وإقرارهم، فليس في ذلك ما يقيم له حجة، لأنا لم ننكر أن يكون ذلك إيمانًا، فنكلف إقامة الدليل عليه.
وإنما أنكرنا أن لا يكون ما عداه إيمانًا، فإنما ينبغي أن يقيم في الدليل على ما ننفيه ونثبته، لا على ما نثبته جميعًا ولا ننكره، وكل ما قلنا في هذه الآية فهو في قوله عز وجل: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} مثله.
لأن فيه مدحًا للذين يقولون بهذا القول، وليس فيه تحديد الإيمان الذي أخبروا أنهم سمعوا مناديًا ينادي إلى عبادة الله التي تنقسم أقسامًا ووجوهًا كثيرة.
غير أن أعلاها وأثبتها التوحيد، فدخلت العبادات كلها في الإيمان الذي نادى به، ودخل في قول المحبين، فآمنا، ووصفهم أنفسهم بذلك إقامتهم كل ما دعاهم إليه المنادي.