فإن قال الرجل: لم يكن ذلك كذلك، وإنما المراد من النداء الإجابة إلى التوحيد، فإنما كان إلى الإيمان، والإجابة إن كانت إليه فإنما كانت إلى الإيمان، ولسنا ننكر ذلك الإيمان.
وإنما الخلاف في الطاعات سواه، وليس إذا كان التوحيد إيمانًا، أو امتنع أن تكون سائر الطاعات إيمانًا، فما دليله على أنها ليست إيمان.
فإن المختلف فيه أحق بإقامة الدليل عليه من المتفق عليه والله أعلم وبه التوفيق.
ويقال له: أرأيت لو قال لك قائل أن تصديق النبي - صلى الله عليه وسلّم - ليس بإيمان، فإنما الإيمان هو التصديق بالله تعالى.
لأن الله تعالى أثنى على ذلك: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} ، ولم يذكر الإيمان بالرسول، فإذا كنت تقول له: فإن فرغ إلى أن ذلك لما قام الدليل عليه لا في هذه الآية.
قيل له: وكذلك الطاعات كلها، قد قام الدليل على أنها إيمان، لا في هذه الآية، فما أنكرت أن الرجوع إليها أولى من الرجوع إلى ما لا دلالة له فيه على موضع الخلاف وبالله التوفيق.
قال الرجل: وقد فرق الله تعالى بين الإيمان وبين سائر الخيرات بقوله: {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} .
فيقال له: ما في هذه الآية ما يدل على أن اكتساب الخير في الإيمان ليس بإيمان.
فإن قال: لأن ذلك لو كان كذلك، لكان كأنه قال: أو كسبت في إيمانها إيمانًا.
قيل: وما الذي يمنع أن يقال ذلك وما فيه من المعاني التي يفسد بمثلها الكلام فأقم الدلالة على صحة ما تدعيه إن كانت عندك، فإنا لما تقولوه رادون، ولك بحجة مؤاخذون.
فإن قال: إنه لما قال: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} دل ذلك على أن المكسوب غير المكسوب فيه، بلى كذلك لا تكون دوائر الإيمان المبتدأ غير ما يقام فيه من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، وإن كان كل ذلك إيمانًا، كما أن دوام عقد الصلاة وحرمتها غير ما يؤتى به فيها من ركوع وسجود وغيرها، وإن كان كل ذلك صلاة.
فلم قلت: إن الخير المكسوب في الإيمان لا يكون إيمانًا؟
ويقال له: ما أنكرت أن تقدير قول الله عز وجل: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} أو كسبت لإيمانها، كما لا تفعل الخيرات التي هي إيمان، والاستكثار منها، ونظيره قول الناس: أفاد فلان علي في علمه تقدمًا، أو في صناعته نفادًا، أي استفاد كمالًا في علمه وكمالًا في صناعته.
لأن التقدم في العلم علم، والنفاد في الصناعة صناعة.