وجملة الزكاة قسمان: أحدهما: حق المال.
والآخر: حق البدن.
فأما حق البدن فزكاته الفطر، لأنها أوجبت شكرًا للإباحة الواقعة بعد الحظر، تلك الإباحة للأبدان إذا كان الحظر عليها.
فالزكاة إذًا حقها.
وأما التي هي حق الغناء والثروة فهي التي تدعى زكاة المال.
وجملة الأموال التي تجب فيها الزكاة ثمانية أصناف: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزروع والنخل والكرم.
ومن هذه الأموال ما يتعجل وجوب الزكاة فيه عند الملك، كالذهب والفضة المستخرجين من المعدن إذا بلغا كامل النصاب، ثم تتكرر الزكاة عليه بالأحوال ما دام باقيًا في الملك.
ومنها ما يتعجل وجوبها فيه ثم لا تتكرر عليه بتكرر الأحوال ما دام باقيًا في الملك كتمر النخل والكرم والحب.
فإن من بدأ صلاح شيء من ذلك في ملكه وجب عليه زكاته، فإن كان ملكه في ساعته.
ومنها ما لا تجب الزكاة فيه حتى يحول عليه حول ثان، ثم تتكرر الزكاة فيه بتكررها عليه في الملك، وهو المواشي التي ذكرناها، وما حكم من هذه الأحكام إلا وله دلائل.
وما أصل من هذه الأصول إلا ويتفرع ويتشعب الكلام فيه، وعلم ذلك موجود في الكتب المفردة لهذا الفن.
وإنما نذكر في هذا الكتاب محاسن الشريعة وعلم الآداب ما يجري مجرى التكلم لما ألفه الفقهاء في تلك الأبواب.
ونقول في الجملة: إن نعمة الله تعالى بالمال كانت تضم جميع أصنافه والزكاة لا تضمها ولكن تخص بالوجوب وإلا حد بعضها وفي ذلك وجهان:
وإن أحدهما: أن الله تعالى أوجب الزكاة في كل جنس من أجناس المال في أعلى أنواعه وعفا عما دونه، بأن الحاجة إلى الأعلى عامة شديدة.
وكذلك ما كان أعلى وأشرف من غيره، فإن فضل المال ليس إلا أنه محتاج إليه.
فما كانت الحاجة إليه أشد، والمحتاجون إليه أكثر، فهو اسم الفضل أولى وأحق.
وإذا كان ذلك كذلك اقتصر فرض المواساة على هذا النوع لأن علة المحتاجين ينزاح بما يوفون منه، ولا يبقى لهم بعدما يستنفدونه منها ضرورة، ولا يطيقون جملتها، ولا يقدرون على الصبر معها، وإنما يبقى العجز عن تبعات الشهوات التي لو أمكنوا منه، وألزم الأغنياء أقدارهم عليه، لبطل ابتلاؤهم بالحاجة، ولم يظهر منهم وبين الممكنين بزمامه ما يحبونه ويشتهونه فرق.
ثم إن أصناف الأموال معلومة: أحدها ما يستخرج من واعلاه الذهب والفضة، لأن الناس كلهم محتاجون إليهما ولا غنى بأحد عنهما، فإنهما مالا الثقل والتجارة، وبهما تقوم الممتلكات وتقدر رؤوس الخبايات، وما عدا ذلك من النحاس والحديد والرصاص فسلع يمكن التجهز دونها.
وقد يقوم غيرها مقامها، أو مقام بعضها.
ومنها الحيوانات التي تقتنى فأعلاها الأنعام، فإن الدر والنسل منها يقتنى، وفيها ما يؤكل لحمه، ويركب ظهره، ويحمل عليه الأثقال إلى أقاصي البلدان والأطراف.
وفيها ما لا يصلح لذلك، إلا أن المنفعة تتوفر بلحومها وألبانها وأصوافها وأشعارها وجلودها.
فأما ما عداها مما بعد وثبة أولًا فكمل كمال هذه الأصناف فائدة ومنفعة، وأصناف الظاهر التي تقتنى رد، وأما الصيد التي تلو فليست الحاجة إليها كالحاجة إلى الأنعام التي وصفنا.
ألا ترى أن الحاجة إلى البغل والحمار إنما تكون للحمل والركوب، والإبل تعمل عملها ثم تزيد عليهما بأن منهما طعامًا وشرابًا وليسا في البغال والحمير.