وقال عبد الله بن مسعود رحمه الله: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له، وهذا موافق لما جاء في بعض الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، لا يقبل الله بعض ذلك دون بعض» .
وعن عبد الله رحمه الله قال: ما تارك الصلاة بمسلم، ثم إن المعنى في وجوب الزكاة بين، لأن المال نعمة من نعم الله تعالى كسلامة البدن وصحته، إلى إزاحة علة المحتاجين، والإنفاق على الفقراء والمساكين حتى يتقووا بها على العبادة، ولا يستغرق جهدهم باضطرابهم لزمانه، فلا يتفرغوا معه بخدمة مولاهم.
ثم يكون في ذلك ما يبين في بخل الأغنياء وقلة ما فيهم، فيلزم الأغنياء بذلك تتمة الكفران والطغيان، ويعود المال الذي أنعم الله عليهم نقمة عليهم، بعد أن كانت نعمة أنزلها الله إليهم.
وأيضًا فإن من تأمل وجه الحكمة في فرض الزكاة علم أن أهل الدين إذا كانوا مختلفين، فمنهم أغنياء، ومنهم ذو الحاجة، كان في إهمال الأغنياء أمر المحتاجين والاستبداد بما أوتوه من النعمة هلاك المحتاجين.
وليس من حق ما أنعم الله تعالى به على بعض عباده من المال الذي يجاوز قدر حاجته درجات كثيرة، ويربي على حد كفايته أضعافًا مضعفة، أن يرى مشاركًا له في الخير والجبلة مواقعًا له في الدين والملة، مغلوب الشرف، متكافيء الضرب، وهو يقدر على إصلاح حاله بأدنى شيء يعطيه من ماله، فبخل به عليه، فيكون إلى مثل نفسه، وبغض واحد من أهله عليه، وآثر البخل على الإحسان، وببذل اليسير من المال لقرينه وشكله، وكما أنه إذا قدر على مواساة المحتاج فلم يفعل ذلك حتى هلك المحتاج، كأن قلبه حلت سر صنيعته إلى نفسه من المحامد والمحاسن بحبسه، لا يجمع بذلك حياء مثله، والزيادة في عدد أهل ملته.
واختار الفضل على البخل، واعتاض عن مال يسير أخرجه من ملكه أحدًا يدعو له في وقت الدعاء، ويثنى عليه في أحوال الثناء.
ولا يشكل على ذي عقل ومعرفة.
أن الأمر إذا كان ما وصفنا، فالدفع خير من البيع، والإعطاء أحسن من الاستبقاء.
فلئن كانت الشريعة جاءت بفرض الزكاة، فإنما جاءت بأفضل الخصلتين وأجمل المعاملتين، ودعت إلى إحدى السبيلين وأزكى الأمرين.
فلا يتمسك بها إلا ناظر لنفسه مبصر له شده.
ولا يرون منها إلا غافل عن مصلحته، جاهل بصواب أمره وبالله التوفيق.
وإذا ظهر عظم الزكاة بما وصفنا.
والزكاة اسم لفرض مطلق، ولا سنة من جنسه، وهي في هذا مخالف للصلاة.
ويشبه أن يكون وجه الفرق بينهما: أن الصلاة تقام بالبدن متشبهة لأكثر من الصلاة المفروضة، فسن عليها من الزيادة ما سن، لأنها لا تفرح ولا تسر وليس المال في هذا البدن لأن المفروض من الزكاة إنما اعتبر فيه الثاني، والإمكان.
فأوجب قليلًا من كثير، أو يسيرًا من جليل خطير، لأن لا تصير المواساة بالمؤاسي ويتحول الداء للتداوي.
فلو سن مع المفرض منها من النوافل مثل ما سن منها من فرائض الصلاة لشق ذلك على أرباب الأموال وأجحف بهم، وأثر في أحوالهم، فلهذا لم يلق أن يسن من الزكاة كما سن من الصلاة والله أعلم.