وأما قوله: «وينادي مناد يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر» ، فقد يجوز أن يكون مثلًا لترغيب الله تعالى الموصل في زوائد الخيرات والحسنات في هذا الشهر حتى يجازوا كأنهم ينادون كل ليلة، فيقال لهم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
وقد يجوز أن يكون حقيقة لا مثلًا، وأن يكون ملك ينادي بذلك ليزداد العباد حسدًا في الخير، وبعدًا من الشر.
فإن قيل: ما معنى هذا النداء وهم لا يسمعونه؟
قيل: ليس كذلك، لأن الصادق قد أبلغهم إياه وأخبرهم، فصاروا سامعين له، وليس كل نداء يسمع من المنادى.
ولكن من سمعه من صادق فبلغه عنه، فكأنما سمعه منه، فكذلك هذا والله أعلم.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «تعظيم قدر هذا الشهر فلم يغفر» فقال أنس: «رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده، فلم يغفر له، فقال: آمين.
رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك.
فقال: آمين».
ومعنى هذا ـ والله أعلم ـ رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده وأدرك هذا الشهر، وذكرت عنده فلا هو صلى عليك فعرف حقك، ولا عمل في هذا الشهر ما يتوصل به إلى المغفرة، فعرف حقه.
ولا بر والديه.
أو الذي أدرك مثلهما فعرف حقه، فإن الأمر إن لم يكن على هذا وجب أن يكون من ترك الثالثة وعمل بالآخرين غير مغفور له.
وهذا غير جائز، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين، فقال: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} .
فصح أن معنى الحديث ما ذكرت.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا سلم رمضان سلمت السنة كلها» .
ومعنى هذا ما جاء في حديثه من قوله: «الشهر إلى الشهر كفارة لما بينهما» .
أي أن شهر رمضان إذا سلم كان كفارة لما بعده إلى الشهر القابل، فتصير السنة سالمة بسلامه الشهر والله أعلم.
ومن عظم قدر هذا الشهر اختصاصه بليلة القدر، قال الله عز وجل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} .
وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
فظهر بذلك أن ليلة القدر في شهر رمضان.
معنى ليلة القدر التي نقل الله تعالى لملائكته جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم محياهم ومماتهم إلى ليلة القدر من السنة القابلة، وكان يدخل في هذه أيام حياة النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن يقدر منها ما هو منزله من القرآن إلى مثلها من العالم القابل، وإنما قيل ليلة القدر، لم يقل ليلة الكذب، وأن المعروف من قرينة القضاء وتحديده ليكون ما يلقى إلى الملائكة في السنة مقدر بمقدار يحضره عليهم.
وما قال على هذا المعنى فهو كالقدر ـ بتسكين الدال ـ يقال: قدرته أقدره قدرًا، كما يقال: حذرته أحذره حذرًا.
{وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} .
من هذا.
لأنه مجاوزًا لمعنى ما عظموه حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته.
وقال الله - عز وجل - في وصف هذه الليلة: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} .
فأخبر أنها مباركة.
أي مبارك فيها لأولياء الله عز وجل، فإنها جعلت خير من ألف شهر أي إذا أحبوها وقدروها حق قدرها، فظلوا بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، ولم يلهوا منها، ولم يلغوا، كانوا كأنهم فعلوا ذلك شهرًا وأكثر: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} .
أي كل أمر مبني على السداد.
والحكيم بمعنى يتحكم.