وقد جاءت في هذه الليلة أخبار مجمعة، المعنى فيها: أنها أوتار العشر الأواخر.
وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان» .
ثم فيها وجهان:
أحدهما: ما روي عن أبي قلابة رضي الله عنه من أنها تحول في ليالي العشر، أي تكون سنة إحدى ليلة غيرها.
والآخر: أنها إحدى الأوتار بعينها كلها، فإن كانت ذلك، فينبغي أن تكون ليلة خمس وعشرين، إن كان ما روي أن القرآن أنزل لأربع وعشرين من رمضان صحيحًا.
فإن وهبًا ذكر أن صحف إبراهيم أنزلت أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة بعد ذلك لسبعمائة عام لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان.
وأنزل الفرقان بعد ذلك بستمائة وعشرين عامًا لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان.
وإن لم يثبت هذا فهي ليلة مشكلة.
وسأل أبو ذر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، وأقسم عليه ليخبرنه بها حتى أعطيه، وقال: «لو أذن الله تعالى أن أخبركم بها لأخبرتكم، إلا أمر أن يكون أحد التسعين» .
يعني في العشر الأواخر لسبع خلون منها، أو لسبع بقين منها، وهو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين.
ودلت الأخبار على أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان يعلم هذه الليلة وقتًا، غير أنه لم يكن ما دون في الأخبار يردها ثم أنسيها.
فإما أنه لم يؤذن له في الأخبار بها، فلئلا يتكلون على عملهم بها، صحبوها دون سائر الأوتار، بل يخفوا الأوتار كلها فعصوها في جملها.
وكان عبد الله يؤيد الناس على هذا، فيقول: من يقم الحول يصبها.
فقال أبي بن كعب، والله لقد علم ابن عبد الرحمن أنها في رمضان، لكنه أراد أن يعمي على الناس لئلا يتكلون.
وإما أنه أنسبها قليلًا يسأل عن شيء من أمر الدنيا فلا يخبرنه، أو لأنه كان محيولًا على أكرم الأخلاق وأحسنها، وعلم الله تعالى من قلبه الرأفة نبأ منه، وأنه ليس عليه أن يسأل شيئًا مما عنده، فيبخل به، فأنساه علم بهذه الليلة حتى إذا سئل عنها لم يخبر بها، لم يكن كأنما علم عنده.
وذكر النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه رأى هذه الليلة ثم أنسيها.
ورأى أنه يسجد في صبحتها في ماء وطين.
فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان ذلك ليلة ثلاث وعشرين، قال عبد الله بن أنيس: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ـ يعني من صبحتها ـ فانصرف، وإني أرى الماء والطين على أنفه وجبهته، ثم جاء مع هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» .