وروى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا نبي الله، إني رجل شيخ كبير، يشق على القيام، فمرني بليلة، لعل الله تعالى يرقبني فيها ليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة» بهذا يدل على أنها ليلة سبع وعشرين.
ولا بد من تأويل هذه الأخبار بعد أن قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «رأيت هذه الليلة ثم أنستها» .
فنقول ـ وبالله التوفيق ـ: وقد يجوز أن يكون أبو سعيد تنبأ له عن ليلة القدر وقد مضت من تلك السنة.
فقال: هي ليلة ثلاث وعشرين، أي كذلك لا شك، ثم لا يدري أن تكون في القابلة فيها أو في غيرها.
وكذلك قوله لثلاث: فأما قوله للسائل (بالسابعة) .
فيحتمل أنه كان الأغلب على ظنه في تلك السنة أنه ليلة سبع وعشرين.
فلذلك أمره بها.
والرجل لم يسأله عنها قطعًا، وإنما سأله عن ليلة لعلمه يوافق فيها ليلة القدر.
وحاصل هذه الليلة يمكن أن يوافق فيها ليلة القدر.
ولعله سأله وثلاثة أوتار قد انقطعت، ولم يكن عنها ليلة القدر، وبقي وتران أغلبهما أن تكون هذه الليلة السابعة، فحثه عليها، وليس ذلك من القطع بسبيل والله أعلم.
وفي تسمية هذه الليلة ـ ليلة القدر وتعظيمها وجه آخر: وهو أن كل ذلك لتقدير ما ينزل من القرآن فيها إلى مثلها من السنة القابلة.
ومعنى قول الله عز وجل: {يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} .
أي يفضل آخر القرآن، ويقصر أن يكون ذلك الفضل، وذلك الفرق أمرًا حكيمًا.
ويحتمل إذا ميز ما يراد تنزيله في السنة ذلك المميز أيضًا، وجعل نحو ما ينزل كل نجم منه عند وقته، فذلك فرق كل أمر حكيم، فأما سائر الأمور التي تجري على أيدي الملائكة من تدبير أهل الأرض، فإنها تبين ليلة النص من شعبان، فقد وردت فيها أخبار كثيرة، وسميت ليلة الهل، وليلة الإجلال والأرزاق، وليلة ذل العاني ونصرة المظلوم إلى غير ذلك من أسماء كثيرة، فيكون تعظيم ليلة القدر لأجل القرآن، وأن تنزيله فقد انقطع.
كما يفضل يوم عاشوراء، بأن الله تعالى نجى موسى عليه السلام من فرعون، وذلك لأنه اختص به يوم بعينه، وقد مضى.
وكما يفضل ولد المهاجرين بأن أبا لهم كان هاجر ولد الأنصاري، بأن أباه آوى ونصر.
وقد اتبعت القول في عامة هذه الأبواب في كتابي المجرد لذكر خصائص شهر رمضان وأوردته في هذا الكتاب مع فصل تقرير تكلفه، ليكون أسرع إلى الإلهام إن شاء الله.
ومن جملة ما عظم الله به قدر صيام شهر رمضان أن جعل أول يوم يليه عيدًا، وحرم صيامه.
وأوجبت فيه صدقة الفطر، وأمر الناس بالتكبير ليلة العيد ويومه إلى وقت منه معلوم.