فكذلك الكافر إذا عزم على الإيمان كفاه في الانتقال من الكفر إلى الإيمان والاعتقاد والإقرار وذلك لا يدل على أن هذا هو الإيمان، بل وراء ذلك فرائض تتابع، فكلما وجب منها ما احتج منها إلى الإيمان به، إذ هو لم يؤمن بالانتقال وحده، وإنما أمر به، وبأن يصلي في إيمانه، ويزكي ويصوم ويحج ويجاهد، فلا يكمل إيمانه إلا بأداء واجباته كما لا يكمل حجه الذي صار داخلًا فيه، إلا بأداء واجباته، ولا صلاته إذا صار داخلًا فيها بتكبيرة إلا بأداء واجباته، والله أعلم.
ويقال له في قوله: إن الكفار لم يفرعوا عند معاينة البأس إلا إلى التصديق بدليل كذا وكذا، فثبت أن الإيمان غير التصديق، وهل سمعت أحدًا من أصحابنا يقول: إن ما ليس بتصديق فهو بإيمان؟ قلنا: ما عرفنا أحدًا يقول ذلك.
والإيمان عندنا هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان، إلا أن الطاعات عندنا كلها تصديق من الوجه الذي تقدم بيانه.
وإذا كان تصديقًا وكان الإيمان التصديق، لم يكن تصديق بأن يكون إيمانًا أحق من تصديق، وبالله التوفيق.
قال الرجل: ويدل على ذلك أنه لا تخلوا كل عبادة من أن تكون إيمانًا بنفسها على الانفراد، أو يكون الإيمان اسمًا لجميع الخيرات، فإن كانت كل عبادة إيمانًا على الانفراد ودينًا وإسلامًا فهي إذا أديان، ويكون مع الواحد عشرة أديان أو عشرون دينًا، ومع آخر أقل من ذلك، أو أكثر فيبطل أن يفهم من الأمر بالإيمان والإسلام مراد، ويكون من ترك عبادة من العبادات تارك من أديان الإسلام، ويجب وصفه بالانتقال من دين إلى دين وإيمان إلى إيمان، كما يقال ذلك في العبادات، ويجب إذا أفسد عبادة أن يقال: قد أفسد دينًا وخرج منه.
ويبطل القول بزيادة الإيمان لأنه لا يعرف ما يوصف بزيادة الطاعة، لأن المقصود منهما مجهول، وكذلك القول بالكمال إلا أن يشار إلى عبادة بعينها، فثبت أنه لا يجوز أن تكون كل طاعة إيمانًا على الانفراد، وإن كان الإيمان عندهم اسمًا لاجتماع جميع الطاعات وهو دين واحد، وإيمان واحد، فالقول بزيادة الإيمان لا معنى له لأنه لا أحد يبلغ في فعل العبادات والطاعات نهايته، فهو أبدًا في جمع الإيمان وتحصيله غير مستكمل له، ولا بالغ غايته، فبطل أيضًا اعتبار هذا الوجه، فدل أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان.
ويقال له: قولك أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان كلام متناقض لأن فعل الخير كله تصديق كما مضى بيانه وتقديره، فإذا كان الإيمان التصديق، فكان فعل الخير تصديقًا وجب أن يكون إيمانًا.
ويقال له: إن الطاعات كلها إيمان، وكل واحد منها إيمان إذا صحت وسلمت، ولا يلزم على ذلك أن يكون من جاء بعشرين طاعة جاء بعشرين إيمانًا كما أن عندك أن الاعتقاد والإقرار إيمان، ثم لا يقول أن من جمعها كان جامعًا بين دينيين، أو بين إيمانيين.