وقال أيوب السجستاني: إنما كان النهد أن القوم إذا كانوا في السفر يسبق أحدهم المنزل فيدلج، ويهيئ الطعام، ثم يأتيهم، ثم يسبق أيضًا إلى المنزل.
فيفعل مثل ذلك.
فقالوا إن هذا الذي يصنع، كلنا نحب أن نصنع مثل هذا، فتعالوا نجعل شيئًا فشيئًا، لا يفضل بعضنا على بعض فوضعوا لهديتهم، وكان الصلحاء إذا تناهدوا ويحتذي أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه وإن لم يرضوه بذلك منه إذا علموا فعله سرًا منهم دونهم.
قال أحد أصحاب الحسن: كان الحسن يجازينا، فكان النهد يوضع على يدي فيعطيني كما يعطي القوم في العلانية، ثم يأتي بمثله في السر.
فأقول: يا أبا سعد، هؤلاء المتبقون قوم مناكير.
فيقول خذها أيها الرجل.
وروي أن ابن عون كان في سفر، فقال: إذا أنفق كل واحد منكم على حدة فلم ير ذلك، فليخرج كل واحد منكم ما استطاع، ودليل ذلك رجل وأحب أن أكون ذلك الرجل.
فقالوا: نعم.
فأخرجوا ودفعوا إليه فجعل ينفق عليهم في سفره حتى أنفق عليهم مالًا من مال نفسه.
فجعلوا يقولون يا أبا عون، فتقول الجماعة: فيها بركة، فلما انصرفوا استوى لكل إنسان منهم هديته، فدفعها إليه.
وقال قتادة: أردت الخروج في سفر، فجاءني ابن عون، ومعه حماد بن يزيد فسلم علي وقال: احفظ عني خلتين: عليك بحسن الخلق والبدل، ولا ينبغي السفر أن يعلقوا الأجراس في أعناق دوابهم، ولا أن يصبحوا (الكلاب) فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ولا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس» .
وينبغي لهم إذا سافروا أن يرتفقوا بدوابهم ولا يحملوها فوق الطاقة شيئًا، ويعلفوها ويسقوها.
فإن كان السير في الحرب، وكان في إسراع السير عليها تخليصها والتخليص عليها، فلا بأس بالإسراع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الظهر حقها» .
وفي بعض الروايات «واعطوا الركب اشتانها» أي مكنونها، من اشتهاء والأشتان جمع لبان، أي دعوها ترتع.
وقيل: هو حسن اللبان، وهو مثل ضرب الشحم واللحم، فإنها بكمالها تقوى على السير، فجعلهما لها بمنزلة السنان للمقاتل.
وفي حديث آخر: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إذا خصبت الأرض فأعطوا الظهر حقه، وإذا جدبت فأنجوا بنقيها» ، وإن لم يمنعهم من السير مانع فهو أولى، وإن سمعوا فيه صوتًا لا يعرفونه فليؤذنوا، وإذا أرادوا النزول ليلًا لنومة يتحممون بها، أو التباس الطريق عليهم، فليتنحوا عن الطريق لقول النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «عليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتفرس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات، وإذا تغولت عليكم الغيلان فافزعوا إلى الأذان» .
ومعنى أن الأرض تطوى بالليل: إن السير ينشر بالليل ما لا ينشر بالنهار فإن الناس قد يهتمون للأكل والشراب، فينزلون له، وربما تأخر واحد وتقدم واحد، فيسير كل واحد منهم كما يكون أرفق له اعتمادًا على صاحبه وأنه لا يضل معه الطريق ولا يخفي على الرفيق حال الرفيق، وقد ندعوا ذلك المتقدم إلى أن يقف على المتأخبر فينتظره، وإذا سافروا بالليل اجتمعوا ولم يتخلف بعضهم عن بعض خيفة أن يضل المتخلف الطريق، وأن يخفى على المتقدم حال المتأخر فلا يقف على عارض إن عرض له، فيقيم عليه، ولا يتعلق القلب فيه بمأكل أو مشرب، وإنما يكون الهم كله السير، ومن شأن الدواب إذا تزاحمت أن تتسابق وترى كل واحد منها أن تسبق ولا تسبق، فهي لذلك تسرع السير (في الليل) وتطوي الأرض بأقدامها أشد ما تطوى بالنهار والله أعلم.