فهرس الكتاب

الصفحة 739 من 1140

فإذا فرغ من الدعاء أتى زمزم، فشرب منها متزودًا إياه متبركًا به، قال مجاهد: وكانوا يستحبون إذا ودعوا البيت، أن يأتوا زمزم فيشربوا منها، ثم عاد إلى الحجر فقبله ومضى.

فإذا أراد الخروج من المسجد، فقد قال بعض أهل العلم: يلتفت إلى البيت كالمتحزن على ما تغيب عنه، لا يكاد يسبح نفسه، برفع طرفه عنه.

وكره ذلك بعض السلف، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كره قيام الرجل على باب المسجد إذا أراد أن ينصرف إلى أهله متحرقًا إلى الكعبة ينظر إليها ويدعو، وقال: اليهود يفعلون ذلك، وعن مجاهد مثله، وهذا أشبه، لأنه قد ودع البيت، فإذا حدث بعد ذلك عهدًا به ولم يجبه بالطواف فقد خطأه.

ولأن يكون آخر عهده بالبيت تحية أولى به من يكون آخر عهده به حفاوة والله أعلم.

ومن الناس من يرى أن يقول إذا طاف طواف الوداع: اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي بالبيت، فإن قال هذا ومضى دون أن يلتفت إليه وما يدريه لعل ذلك دعوته أجيبت له، ثم لا يراه.

وينبغي أن لا يفارق الحاج البيت راغبًا عنه مستثقلًا ما عاناه في طريقه، بل يستخف كل جهده رغبًا ويصيب أصابه في حب ما رزقه الله تعالى وأهله له، من زيارة بيته وقضاء مناسكه، ويكون قوي العزم على أن يتوب إليه راغبًا إلى الله تعالى في ذلك، داعيًا إياه به.

ومما جاء في التزام البيت ما روي أن عبد الله بن عمرو طاف بالبيت، فلما كان خلف الكعبة قيل له: ألا تتعوذ، أعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وقام بين الركن والباب، فوضع صدر وجهه وذراعيه وكفيه مبسطًا على الباب.

قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فعل.

وقال صالح جنان: قال لي أنس بن مالك وأنا أطوف معه: ارفع الأستار ثم إلزم بطنك.

أو قال: كبدك بالبيت، ثم تعوذ برب هذا البيت من النار، وعن سعيد بن جبير أنه كشف عن بطنه وألزقه الملتزم.

وعن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وعمر بن ميمون أنهم كانوا يلتزمون خلف البيت، ويلزمون بطونهم به ويقول القاسم: اللهم إني أعوذ بك من بأسك ونقمتك وسلطانك، وعن الأسود أنه كان ملتزم خلف البيت، وكان جابر بن زيد لا يتقي من البيت مشيًا أي يلتزم كله، وكان عروة يشيح جبينه وظهره وبطنه بالكعبة، وقال مجاهد: إذا أردت أن تفوز، فات البيت فطف ثم صل ركعتين، ثم آت زمزم فاشرب منها، ثم ما بين الحجر والباب فألزم بطنك بالبيت ثم ادع الله عز وجل، وصل ما أردت.

ثم آت الحجر فاستلمه، ثم انطلق ولا تعرج في سفر ما لا يعنيه، ويكون به غناء عنه، ليتعجل رجوعه إلى أهله.

فإنه يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليتعجل الرجوع إلى أهله» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت